خمسة أيام تشريعية تعيد تشكيل إسرائيل: ماذا يمرر نتنياهو قبل السقوط؟

خاص رواق – في أسبوعها التشريعي الأخير، تدفع حكومة بنيامين نتنياهو بحزمة قوانين تبدو متناقضة في ظاهرها: تخفيف إجراءات إنفاذ التجنيد على طلاب المعاهد الدينية الحريدية، مقابل تمديد الخدمة العسكرية الإلزامية للجنود الموجودين بالفعل في الجيش. غير أن التناقض يتلاشى عند النظر إلى الصورة السياسية الأوسع؛ فالحكومة تحاول إنقاذ تحالفها مع الأحزاب الحريدية، وتلبية الحد الأدنى من احتياجات الجيش، وتمرير تغييرات مؤسسية بعيدة المدى قبل حل الكنيست والتوجه إلى انتخابات مبكرة في أكتوبر/تشرين الأول 2026.
في أروقة الكنيست الإسرائيلي، يسير خلال هذه الأيام مساران متوازيان لا يلتقيان إلا في صناديق الاقتراع. في المسار الأول، تتقدم تشريعات تمنح طلاب المعاهد الدينية الحريدية حماية من الاعتقال بسبب التخلف عن التجنيد، وترفع دراسة التوراة إلى مرتبة «قيمة أساسية» في الدولة، وتفتح الباب لمساواة دارسي التوراة بمن يؤدون الخدمة العسكرية في بعض الحقوق والامتيازات. وفي المسار الثاني، يُطلب من الجنود الذين التحقوا بالجيش أن يبقوا في الخدمة مدة أطول، فيما يصر الجيش على أن تمديدها إلى 32 شهرا لا يكفي، وأنه يحتاج إلى خدمة تمتد إلى 36 شهرا على الأقل.
لهذا لا يتعلق أسبوع التشريعات الأخير بقانون تجنيد واحد أو بإجراء تقني محدود. إنه أسبوع يعاد فيه التفاوض على معنى المساواة في إسرائيل، وعلى الجهة التي تتحمل ثمن الحرب، وعلى علاقة الحكومة بالجيش والمحكمة العليا ووسائل الإعلام ولجان التحقيق، وعلى شكل التحالفات التي ستخوض انتخابات 2026.
والأهم أن «إعفاء الحريديم» لا يأتي في نص قانوني واحد يحمل هذا الاسم صراحة. إنه نتيجة تراكمية لمجموعة إجراءات: الاعتراف الدستوري بدراسة التوراة، وتعليق الاعتقالات بحق فئة من المتخلفين عن التجنيد، واستعادة المخصصات والامتيازات التي أوقفتها قرارات قضائية، وتهيئة أرضية قانونية تسمح للحكومة بإدارة أزمة التجنيد من دون فرض التحاق واسع وفوري على طلاب المعاهد الدينية.
صفقة نتنياهو والحريديم: أصوات في الكنيست مقابل حماية المعاهد الدينية
بدأت ملامح الصفقة تظهر بوضوح عند التصويت بالقراءة الأولى على مشروع «قانون أساس: دراسة التوراة». فقد أقر المشروع بأغلبية 63 عضوا مقابل 53، وحرص نتنياهو على الحضور والمشاركة في التصويت بعدما طالبت الأحزاب الحريدية بألا يمر القانون بأغلبية عادية فحسب، وإنما بما لا يقل عن 61 عضوا، أي أغلبية مطلقة من أعضاء الكنيست. وبحسب هيئة البث الإسرائيلية الرسمية، مثّل ذلك انطلاقا فعليا لـ«صفقة» بين نتنياهو والأحزاب الحريدية: يدعم رئيس الحكومة تشريعاتها الأساسية، مقابل عودتها إلى التصويت مع الائتلاف على القوانين التي يريد تمريرها في أيامه الأخيرة.

النص الرسمي لمشروع قانون الأساس يقول إن «دراسة التوراة قيمة أساسية في تراث الشعب اليهودي ودولة إسرائيل»، وإن الغرض من التشريع هو الاعتراف بهذه الدراسة قيمة تأسيسية وإيجاد «توازنات عادلة» بينها وبين قيم أساسية أخرى. غير أن المذكرة المرفقة بالمشروع تربطه مباشرة بالأزمة التي نشأت بعد أحكام المحكمة العليا المتعلقة بتجنيد طلاب المعاهد الدينية ووقف الدعم المخصص للمؤسسات التي تضم أشخاصا لا يملكون إعفاء قانونيا من الخدمة.
بهذا المعنى، لا يقدم القانون نفسه بوصفه إعفاء تقنيا من الجيش، وإنما يحاول تغيير الميزان الدستوري الذي تُفحص على أساسه مسألة الإعفاء. فبدلا من أن تبقى المساواة في أداء الخدمة هي نقطة الانطلاق، يسعى المشروع إلى وضع دراسة التوراة في الكفة المقابلة باعتبارها قيمة دستورية يمكن الاحتجاج بها لتبرير معاملة خاصة لطلاب المعاهد الدينية.
وتكمن أهمية اعتماد صيغة «قانون أساس» في أن إسرائيل لا تمتلك دستورا مكتوبا كاملا، وتؤدي قوانين الأساس فيها وظيفة شبه دستورية. ولذلك تسعى الأحزاب الحريدية إلى بناء مظلة أعلى من القانون العادي، يمكن استخدامها في مواجهة الطعون القضائية المتوقعة ضد الإعفاءات والمخصصات والامتيازات.
وقد حذرت المستشارة القانونية للكنيست من أن صياغة المشروع قد لا تقتصر آثارها على التجنيد، وإنما يمكن أن تؤدي إلى منح دارسي التوراة امتيازات مماثلة لتلك المخصصة للجنود، بما فيها بعض المنافع المتعلقة بالتعليم والدراسة الأكاديمية. كما نقلت هيئة البث الإسرائيلية تقديرات مهنية لوزارة المالية تحذر من آثار مالية واسعة قد تترتب على مساواة دارسي التوراة بفئات تخدم في الجيش أو تحصل على مزايا مرتبطة بالخدمة.
لكن القانون لم يكن غاية مستقلة عن بقية التشريعات. فقد ربطت الأحزاب الحريدية دعمها لقانون الاتصالات الذي يدفع به وزير الاتصالات شلومو كرعي، ولعدد من مشروعات الائتلاف، بالحصول على ثلاثة أثمان رئيسية: تقدم قانون دراسة التوراة، وتمرير تشريع يوقف اعتقال المتخلفين الحريديين عن التجنيد، والتراجع عن إصلاح منظومة الكشروت الذي تعارضه القيادات الدينية الحريدية.
ومن داخل حزب شاس، ظهرت خشية صريحة من أن يؤدي فشل قوانين الائتلاف إلى سقوط المقابل الذي تنتظره الأحزاب الحريدية. ولهذا تدخل الحاخام يتسحاق يوسف داعيا قيادة شاس إلى دعم تشريعات الحكومة، بما فيها قانون الاتصالات، حتى لا يتعرض قانون دراسة التوراة وإلغاء إصلاح الكشروت للخطر.
إذن، لا تقوم الصفقة على قناعة أيديولوجية متبادلة بين أطراف الائتلاف بشأن كل قانون، وإنما على مقايضة تشريعية مباشرة. الأحزاب الحريدية تمنح الحكومة أصواتها في قضايا الإعلام والتحقيقات وبنية المؤسسات، والحكومة تمنحها شبكة حماية قانونية ومالية واجتماعية قبل التوجه إلى الانتخابات.
بالنسبة إلى نتنياهو، تحقق الصفقة هدفين عاجلين. أولهما منع تفكك الائتلاف بطريقة تظهره عاجزا عن الوفاء بتعهداته للحريديم. وثانيهما ضمان كتلة تصويت منضبطة تساعده على تمرير أكبر عدد ممكن من القوانين قبل حل الكنيست. أما بالنسبة إلى شاس ويهودوت هتوراه، فهذه ربما النافذة الأخيرة للحصول على مكاسب تشريعية يصعب ضمانها بعد الانتخابات، خصوصا إذا جاءت حكومة جديدة لا تعتمد على الأحزاب الحريدية بالدرجة نفسها.
وقف الاعتقالات: هل أُلغي واجب التجنيد؟
أكثر أجزاء الحزمة إثارة للجدل هو مشروع القانون الذي يهدف إلى وقف اعتقال الحريديين المتخلفين عن التجنيد. وقد وزع رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست بوعاز بيسموت مسودة المشروع بناء على طلب وزير الدفاع يسرائيل كاتس وسكرتير الحكومة يوسي فوكس، وحددت مناقشات متسارعة لإعداده خلال الأسبوع التشريعي الأخير.
قانونيا، لا يعني وقف الاعتقالات أن واجب التجنيد أُلغي تلقائيا، ولا أنه صدر إعفاء شامل لكل شاب حريدي. المعنى الأدق هو فصل الالتزام القانوني عن أداة إنفاذه الجنائية: يبقى الشخص في الأصل خاضعا لقانون الخدمة، لكن الدولة تُمنع أو تُقيّد في استخدام الاعتقال ضده، متى أثبت أنه طالب متفرغ في معهد ديني واستوفى الشروط التي يضعها التشريع.
وتضمنت الصيغة المتداولة اشتراط الدراسة مدة تصل إلى 45 ساعة أسبوعيا، والخضوع لآلية رقابة، وعدم العمل خارج المعهد الديني. وتحاول الحكومة تقديم هذه الشروط دليلا على أن الحماية ليست إعفاء مفتوحا، وإنما ترتيب خاص بمن يكرسون وقتهم بالكامل لدراسة التوراة.
لكن المعنى العملي أوسع من ذلك. فالاعتقال هو أكثر أدوات الإنفاذ وضوحا وردعا. وعندما توقف الدولة الاعتقالات بحق مجموعة كبيرة لديها واجب قانوني بالتجنيد، فإنها تنشئ منطقة محمية بين الإعفاء الصريح والامتثال الفعلي. لا يحمل الشخص وثيقة إعفاء نهائية، لكنه يعرف أن احتمال القبض عليه بسبب التخلف عن الحضور إلى مكاتب التجنيد سيُجمّد أو يتراجع بصورة حادة.
وهذا ما يجعل منتقدي المشروع يصفونه بأنه إعفاء بحكم الواقع، حتى إن لم يحمل عنوان «قانون الإعفاء». فالدولة لا تحتاج دائما إلى إلغاء الواجب على الورق كي تفرغه من مضمونه؛ يكفي أحيانا تعطيل الآلية التي تفرضه.
ويستند مؤيدو وقف الاعتقالات إلى حجة مختلفة. يقول بيسموت إن حملات الاعتقال لا تزيد عدد المجندين، وإنما تدفع الشبان الحريديين إلى مزيد من الابتعاد عن الجيش، وتعمق الانقسام الاجتماعي، وتحول المتخلف عن التجنيد إلى رمز مقاومة داخل مجتمعه. ومن هذا المنظور، يفترض أن يسمح تعليق الاعتقالات بإنشاء قنوات تفاوض ومسارات تجنيد أكثر ملاءمة للحريديم.
غير أن هذه الحجة تصطدم بمشكلة رقابية. فقد عارضت الأحزاب الحريدية في مراحل سابقة استخدام وسائل صارمة، من بينها الرقابة البيومترية، للتحقق من حضور الطلاب في المعاهد الدينية. وإذا لم توجد آلية موثوقة تثبت أن المستفيد يدرس فعليا 45 ساعة أسبوعيا ولا يعمل، فقد تتحول الشروط إلى تصريحات ورقية لا يمكن للدولة التحقق منها بفاعلية.
كما أن الوضع القانوني الذي سبق التشريع لا يترك للحكومة هامشا بسيطا للمناورة. فقد قضت المحكمة العليا في يونيو/حزيران 2024 بعدم وجود أساس قانوني يسمح للدولة بالامتناع عن تجنيد طلاب المعاهد الدينية، وبعدم جواز مواصلة تقديم دعم حكومي لمؤسسات تضم طلابا ملزمين بالخدمة ولا يملكون إعفاء أو تأجيلا قانونيا. وأشارت المحكمة إلى أن قرار الحكومة السابق بعدم إنفاذ التجنيد انتهى في الأول من أبريل/نيسان 2024.
لذلك لا يبدأ مشروع وقف الاعتقالات من فراغ، وإنما يحاول إعادة إنشاء سياسة عدم إنفاذ بصورة تشريعية بعد أن أسقطت المحكمة الغطاء التنفيذي السابق. وهذا يفسر تقدير جهات قانونية إسرائيلية بأن المشروع سيواجه طعونا جدية، وأن صيغته الحالية قد لا تصمد أمام المحكمة العليا بسبب المساس بمبدأ المساواة.
السؤال الذي سيُطرح أمام المحكمة لن يكون فقط ما إذا كان من حق الدولة تشجيع دراسة التوراة، وإنما ما إذا كان يجوز لها، في وقت يعاني فيه الجيش نقصا حادا في القوى البشرية، حماية مجموعة من أدوات الإنفاذ، بينما يظل المتخلفون من المجموعات الأخرى عرضة للملاحقة والعقوبة.
ويبرز هنا فارق جوهري بين «تأجيل الخدمة» القديم و«وقف الاعتقال» الجديد. التأجيل التقليدي كان يمنح وضعا قانونيا محددا قبل حلول موعد التجنيد أو عنده. أما الترتيب الحالي فيتعامل مع أشخاص صدر بحقهم واجب قانوني، ثم لم يمتثلوا له، ويمنع أو يحد من استخدام القوة لإجبارهم على الامتثال. ومن ثم فهو لا ينظم فقط سياسة التجنيد المستقبلية، وإنما يعيد تعريف تعامل الدولة مع مخالفات قائمة بالفعل.
من 30 إلى 32 شهرا… والجيش يطالب بـ36
في الجهة الأخرى من المشهد، تناقش الحكومة والكنيست تمديد الخدمة الإلزامية للجنود الرجال من 30 إلى 32 شهرا. لكن الجيش يقول إن الشهرين الإضافيين لا يحلان الأزمة، وإن حاجته العملياتية الحقيقية هي العودة إلى خدمة مدتها 36 شهرا.
تظهر الوثائق الرسمية أن الإطار التشريعي الذي طُرح منذ عام 2024 يقوم على خدمة أساسية مدتها 32 شهرا، مع صلاحية لتعديل المدة بحسب طبيعة الوحدات والوظائف، وإقرار مؤقت لخدمة تبلغ 36 شهرا في التشكيلات التي يحتاج إليها الجيش، ولا سيما القتالية والداعمة للقتال. وكان يفترض تطبيق الترتيب المؤقت عدة سنوات، ثم العودة إلى مدة 32 شهرا.
أما في المناقشات الحالية، فيتجه المستوى السياسي إلى تمرير 32 شهرا فقط. وبحسب مسؤول عسكري كبير تحدث إلى هيئة البث الإسرائيلية، فإن 32 شهرا هي «الحد الأدنى المطلوب حتى لا يتفاقم الوضع»، بينما تمثل 36 شهرا بالنسبة إلى الجيش مسألة «بقاء أو زوال» من ناحية القدرة على تنفيذ المهام.
لماذا يصنع فارق الأشهر الأربعة كل هذا الاختلاف؟
لأن مدة الخدمة لا تُقاس فقط بالوقت الذي يمضيه الجندي الفرد في الجيش، وإنما بعدد الدفعات الموجودة في الخدمة في اللحظة نفسها. عندما تضاف أربعة أشهر إلى كل دورة تجنيد، تبقى في الوحدات عدة دفعات كان يفترض أن تغادرها، وبذلك يزداد عدد الجنود النظاميين المتاحين بصورة فورية من دون انتظار تجنيد فئات جديدة وتدريبها.

وبحسب تقديرات الجيش التي نقلتها هيئة البث الرسمية، فإن تمديد الخدمة إلى 36 شهرا يمكن أن يوفر وجود ما يعادل ثمانية آلاف جندي احتياط يوميا. أي إن الوحدات النظامية ستتمكن من أداء مهام يضطر الجيش حاليا إلى استدعاء ثمانية آلاف احتياطي في كل يوم لتنفيذها.
هذه النقطة هي جوهر مطالبة الجيش. فالـ36 شهرا ليست بالنسبة إليه مجرد رغبة في الاحتفاظ بالجنود مدة أطول، وإنما وسيلة سريعة لتحويل جزء من العبء من الاحتياط إلى الخدمة النظامية. وكل شهر إضافي لا يعني فقط بقاء جندي واحد، وإنما الحفاظ على تشكيلات ووحدات كاملة وخبرات تراكمت خلال الخدمة والقتال.
وقال رئيس الأركان إيال زامير إن الجيش وصل إلى الحد الأدنى من حجمه مقارنة بحجم التهديدات، وإنه يحتاج إلى توسيع صفوفه بصورة كبيرة كي يتمكن من تنفيذ جميع المهام الملقاة عليه. وربط زامير المسألة أيضا بمبدأ عدم إعفاء أي فئة من «واجب الدفاع عن الدولة»، واصفا توسيع التجنيد بأنه ضرورة عملياتية والتزام صهيوني وأخلاقي.
لكن الحكومة لا تبدو مستعدة لمنح الجيش كامل ما يطلبه. والسبب ليس عملياتيا، وإنما سياسي وقانوني واقتصادي. فتمديد الخدمة إلى ثلاث سنوات كاملة يزيد الاحتجاج داخل الجمهور الذي يخدم في الجيش، ويعمق المقارنة بين الجندي الذي يُلزم بالبقاء ستة أشهر إضافية، وطالب المعهد الديني الذي يحصل في الأسبوع نفسه على حماية من الاعتقال.
كما أن الجهات القانونية في الكنيست حذرت من تمديد الخدمة إلى 36 شهرا في غياب قانون يوسع قاعدة التجنيد. فقد اعتبرت المستشارة القانونية للجنة الخارجية والأمن أن مطالبة الفئات التي تخدم ببذل المزيد، من دون معالجة إعفاء الحريديم، تثير مشكلة مساواة جوهرية. وأبدت استعدادا أكبر لمناقشة تمديد محدود إلى 32 شهرا، شريطة ربطه بحل حقيقي لمسألة تجنيد الحريديم.
ويدخل عامل التعويض المالي في النقاش. فبحسب الترتيبات التي يدرسها الجيش، سيحصل الجنود عند تمديد خدمتهم إلى 32 شهرا على تعويض يعادل 200% من الأجر عن الشهرين الإضافيين. أما في نموذج الـ36 شهرا، فتُدفع عن الأشهر الأربعة التي تتجاوز 32 شهرا مبالغ أعلى تقترب من مستوى الأجر المدني، وقدرت بنحو 11 ألف شيكل شهريا.
لكن المال لا يلغي التكلفة الشخصية. فكل تمديد يؤخر الدراسة الجامعية، ودخول سوق العمل، والسفر، وتكوين الأسرة، ويصيب بصورة أشد الجنود في الوحدات القتالية الذين يخرجون من سنوات خدمة مكثفة إلى فترات متكررة من الاحتياط.
أزمة أكبر من أربعة أشهر: الجيش ينقصه 12 ألف جندي
حتى لو حصل الجيش على خدمة مدتها 36 شهرا، فإن ذلك لن يحل وحده أزمة القوى البشرية. فقد أعلن ممثلو الجيش أمام الكنيست أن الفجوة تبلغ نحو 12 ألف جندي، وأن تمديد الخدمة لا يمكن أن يكون بديلا من توسيع قاعدة التجنيد.
هذه نقطة شديدة الأهمية، لأن الائتلاف يحاول تقديم تمديد الخدمة بوصفه استجابة لاحتياجات الجيش، في الوقت الذي يمنح فيه الحريديم حماية من إجراءات التجنيد. إلا أن الجيش نفسه يقول إن الإجراء الأول لا يعوض غياب الإجراء الثاني.
تمديد الخدمة يحافظ مؤقتا على الجنود الموجودين، لكنه لا يضيف قاعدة بشرية جديدة إلى النظام العسكري. وبعد انتهاء الفترة المؤقتة وعودة مدة الخدمة إلى 32 شهرا، ستظهر الفجوة مجددا ما لم تدخل مجموعات جديدة إلى الجيش. ولذلك شدد مسؤول التخطيط وإدارة القوى البشرية في الجيش أمام لجنة الخارجية والأمن على الحاجة العاجلة إلى مسارين معا: تمديد الخدمة إلى 36 شهرا، وقانون تجنيد يوسع عدد الملتحقين.
ومن هنا يبدو تشريع 32 شهرا حلا سياسيا وسطا، لا جوابا عملياتيا كاملا. فهو يسمح للحكومة بالقول إنها استجابت لطلب الجيش، من دون أن تتحمل الكلفة السياسية الكاملة لتمديد ثلاث سنوات، ومن دون أن تصطدم مباشرة بالأحزاب الحريدية عبر فرض تجنيد واسع.
أما الجيش، فيحصل على شهرين إضافيين فقط، مع أن تقديره المهني يقول إنهما يمنعان تدهور الوضع ولا يصلحانه. وفي لغة أخرى: الحكومة لا تمنح الجيش القوة التي يطلبها، وإنما تمنحه ما يكفي لتجنب انهيار أسرع.
الاحتياط يدفع الثمن على كل الجبهات
منذ هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، اعتمد الجيش الإسرائيلي بدرجة استثنائية على قوات الاحتياط. فإلى جانب الحرب في قطاع غزة، توسعت المهام في الجبهة الشمالية، والضفة الغربية، والحدود الشرقية، ومهام الدفاع الجوي، والاستعداد لمواجهة إيران وحلفائها، إضافة إلى حماية الحدود والمنشآت الحيوية.
وقد وصف رئيس الأركان الحرب بأنها حملة متعددة الجبهات، بينما تحدث الجيش مرارا عن ضرورة إبقاء قوات قادرة على العمل في جميع الساحات العملياتية. وتضع هذه البيئة الجيش أمام معادلة صعبة: لا يستطيع تقليص المهام بما يتناسب مع عدد جنوده، فيلجأ إلى توسيع أيام الاحتياط لتعويض النقص في القوات النظامية.
لكن الاحتياط ليس خزانا بشريا غير محدود. جنود الاحتياط لديهم وظائف وشركات ودراسات وأسر. وكلما امتدت الخدمة، ازداد عدد من يطلبون الإعفاء أو التأجيل، وتراجعت قدرة أصحاب الأعمال على الاحتفاظ بالموظفين، وازداد الضغط على العائلات التي يتحمل فيها أحد الوالدين وحده مسؤوليات المنزل والأطفال.
كما أن طول الحرب يغير طبيعة الاحتياط نفسه. فالنظام بُني تاريخيا على استدعاءات محدودة نسبيا في حالات الطوارئ، لا على تحويل عشرات الآلاف من المدنيين بصورة شبه دائمة إلى قوة عسكرية. ومع تكرار الاستدعاءات، يفقد الجيش تدريجيا هامش المرونة الذي يفترض أن يوفره الاحتياط.

لهذا يركز الجيش على رقم الثمانية آلاف احتياطي يوميا. فإعفاء هذا العدد من الاستدعاء لا يعني فقط تخفيض نفقات الأجور والتعويضات، وإنما السماح لآلاف الأشخاص بالعودة إلى أعمالهم وأسرهم، وتقليل الاحتكاك بين المجتمع والآلة العسكرية، والحفاظ على جاهزية الاحتياط للحالات التي لا تستطيع القوات النظامية التعامل معها.
ومع ذلك، فإن تمديد الخدمة النظامية يوزع العبء داخل المجموعة نفسها تقريبا. فالجنود النظاميون اليوم هم جنود الاحتياط في السنوات المقبلة. وعندما يبقون مدة أطول في الخدمة، ثم ينتقلون إلى نظام احتياط مكثف، فإن الدولة لا توسع دائرة المشاركين، وإنما تعيد تدوير العبء بين الأشخاص أنفسهم.
وهنا تظهر المفارقة السياسية والأخلاقية: في الأسبوع الذي تقول فيه الدولة للجندي إن شهرين إضافيين هما الحد الأدنى الضروري، وتقول فيه قيادة الجيش إن أربعة أشهر إضافية مطلوبة لإنقاذ منظومة القوى البشرية، تقول الحكومة لطالب المعهد الديني إن بإمكانها وقف اعتقاله إذا أثبت انتظامه في الدراسة الدينية.
ومن منظور جمهور الجنود والاحتياط، لا تبدو المسألة خلافا نظريا حول مكانة التوراة، وإنما عقدا اجتماعيا غير متوازن: طرف يحصل على اعتراف دستوري وحماية من الإنفاذ، وطرف يحصل على تمديد مدة الخدمة واستدعاءات إضافية.
وقد عبّرت منظمات تمثل جنود الاحتياط سابقا عن شعورها بالخيانة حيال صيغ إعفاء الحريديم، ووصفت عدم المساواة بأنه «ظلم أخلاقي». كما شاركت هذه المنظمات في إعداد بدائل تقوم على فرض الخدمة على الجميع، وتطبيق عقوبات شخصية ومؤسسية على من يرفضون الامتثال.
هل تخشى الحكومة تجنيد الحريديم أم تخشى انهيار الائتلاف؟
تقول الأحزاب الحريدية إن فرض التجنيد الواسع يهدد عالم المعاهد الدينية وهويتها الاجتماعية، وإن البيئة العسكرية لا تلائم نمط الحياة الحريدي. كما تخشى القيادات الدينية من أن تتحول الخدمة إلى مسار يبعد الشبان عن مجتمعهم ومؤسساته.
وقد أنشأ الجيش على مر السنوات وحدات ومسارات تراعي متطلبات دينية وثقافية مختلفة، إلا أن المعارضة الحريدية لا تتعلق فقط بنوعية الطعام أو الفصل بين الرجال والنساء أو أوقات الصلاة، وإنما بمبدأ خضوع طالب المعهد للسلطة العسكرية من الأساس.
بالنسبة إلى القيادات الحريدية، يمثل استمرار المعاهد الدينية نظاما مجتمعيا كاملا، لا مجرد نشاط تعليمي. وتؤثر أي زيادة كبيرة في التجنيد في مكانة الحاخامات، وفي بنية الأسر، وفي التمويل الحكومي، وفي سوق العمل الحريدي، وفي قدرة الأحزاب الدينية على الحفاظ على مجتمع مغلق نسبيا حول مؤسساته.
أما نتنياهو، فمشكلته الأساسية ليست إقناع الحريديم بالانضمام إلى الجيش، وإنما الحفاظ على تحالفه معهم. فمنذ سنوات، تشكل شاس ويهودوت هتوراه شريكين يمكن الاعتماد عليهما في أي حكومة يمينية يقودها نتنياهو. وتتميز قاعدتهما الانتخابية بانضباط مرتفع، وبقدرة القيادات الدينية على توجيه التصويت، وبمرونة في قضايا السياسة الخارجية والأمن مقابل تشدد كبير في قضايا الدين والميزانيات والتعليم.

ولهذا فإن فرض قانون تجنيد حقيقي قبل الانتخابات قد يدفع الأحزاب الحريدية إلى إسقاط الحكومة، أو إلى خوض الانتخابات وهي تتهم نتنياهو بخيانتها، أو إلى إعلان استعدادها للتفاوض مع منافسين آخرين بعد الاقتراع.
وفي المقابل، فإن منحها الإعفاءات المطلوبة يحمل ثمنا داخل اليمين نفسه. فقد أظهرت تصريحات ومواقف نواب ووزراء في الليكود والصهيونية الدينية أن شريحة من الجمهور اليميني، ولا سيما الجنود والاحتياط وعائلاتهم، لم تعد تقبل الصيغة التقليدية التي تسمح بالإعفاء الحريدي الواسع.
وكان عضو الكنيست دان إيلوز، الذي عُد من أبرز المعارضين داخل الائتلاف لتشريع يسمح باستمرار التهرب من الخدمة، قد أعلن مغادرة الليكود على خلفية قضية التجنيد. ويعكس خروجه تحولا في القضية من خلاف بين اليمين والمعارضة إلى صدع داخل معسكر نتنياهو نفسه.
وسبق أن حذر وزير من حزب الصهيونية الدينية، في تسجيلات نشرتها هيئة البث، من أن تمرير قانون الإعفاء رغم اعتراض جنود الاحتياط سيؤدي إلى «انهيار اليمين» ودفع ثمن انتخابي. كما قال إيلوز في مرحلة سابقة إن الليكود يمثل «جمهورا يخدم»، وإن هذا الجمهور سيغادره إذا توقف الحزب عن تمثيله.
وبذلك يجد نتنياهو نفسه بين كتلتين يحتاج إليهما معا: الأحزاب الحريدية التي يحتاج إلى مقاعدها لتشكيل حكومة، والجمهور اليميني الذي يخدم في الجيش ويمنحه جزءا مهما من أصوات الليكود والصهيونية الدينية. وما يرضي الطرف الأول قد يتحول إلى مادة انتخابية شديدة الضرر لدى الطرف الثاني.
أكثر من قانون تجنيد: سباق لإعادة تشكيل مؤسسات الدولة
لو كانت الحزمة تقتصر على قانون دراسة التوراة وتمديد الخدمة، لأمكن وصفها بتسوية طارئة بين احتياجات الجيش ومتطلبات الائتلاف. لكن القوانين التي تدفع بها الحكومة بالتوازي تكشف عن سباق أوسع لتثبيت تغييرات مؤسسية قبل حل الكنيست.
أبرز هذه المشروعات قانون الاتصالات الذي يقوده الوزير شلومو كرعي. وتظهر قاعدة التشريعات الرسمية للكنيست أن المشروع دخل مرحلة الإعداد للقراءتين الثانية والثالثة، وعقدت له جلسات مكثفة خلال يوليو/تموز 2026.
ينقل القانون صلاحيات واسعة في تنظيم سوق البث والإعلام، ويعيد تشكيل الأطر الرقابية والجهات التي تشرف على القنوات والمنصات. ويقول مؤيدوه إنه يفتح السوق أمام المنافسة ويقلص التنظيم القديم، بينما يرى معارضوه أنه يمنح الحكومة نفوذا أكبر على بيئة الإعلام، ويضعف استقلال الهيئات المهنية، ويغير قواعد المنافسة لمصلحة مؤسسات إعلامية مقربة من اليمين.
تكمن دلالة إدخال قانون الاتصالات في الصفقة الحريدية في أن الأحزاب الدينية لا تملك بالضرورة مصلحة مركزية في تفاصيل سوق البث، لكنها تمنح أصواتها للمشروع مقابل قوانين التجنيد والكشروت. وهكذا يستطيع الائتلاف استخدام قضية الإعفاء من الخدمة وقودا لتمرير تغيير هيكلي في الإعلام الإسرائيلي.
ويتقدم بالتوازي قانون إنشاء آلية سياسية للتحقيق في إخفاقات السابع من أكتوبر، بوصفها بديلا من لجنة تحقيق رسمية مستقلة. وقد أقر المشروع بالقراءة الأولى بأغلبية 59 عضوا من دون معارضة، بعد أن قاطعت كتل المعارضة التصويت احتجاجا على منح السياسيين دورا حاسما في تشكيل جهة التحقيق.
وترى المعارضة أن الحكومة، التي يفترض أن تكون موضوع التحقيق، تسعى إلى تصميم الهيئة التي ستحقق معها، واختيار قواعدها وأعضائها بطريقة تقلل استقلاليتها. أما الحكومة فتقول إن لجنة التحقيق الرسمية التقليدية، التي يكون لرئيس المحكمة العليا دور مركزي في تعيينها، لا تحظى بثقة قطاعات واسعة من الجمهور.
وإلى جانب ذلك، تسعى الأحزاب الحريدية إلى إلغاء إصلاح الكشروت وإعادة النفوذ إلى المؤسسات الدينية التقليدية، وإلى تمرير ترتيبات تتعلق بدعم الحضانات لأسر طلاب المعاهد الدينية. وتكمل هذه التدابير الأثر الاقتصادي لقانون التجنيد؛ لأن وقف المخصصات والدعم كان إحدى وسائل الضغط الأساسية على من لا يؤدون الخدمة.
ليس ضروريا أن تكون هذه القوانين «ستارا لصرف الانتباه» بالمعنى البسيط. الأدق أنها تعمل كحزمة متكاملة تتوزع فيها المنافع بين شركاء الائتلاف. حزب أو وزير يحصل على إصلاح في الإعلام، والأحزاب الحريدية تحصل على حماية المعاهد الدينية، والحكومة تحصل على لجنة تحقيق بالشروط التي تفضلها، والجيش يحصل على تمديد جزئي للخدمة.
لكن كثافة القوانين في فترة قصيرة تؤدي فعلا وظيفة تشتيت الانتباه العام. فكل مشروع منها يكفي وحده لإشعال معركة سياسية وقانونية كبيرة. وعندما تُطرح جميعها في أيام معدودة، يصبح من الصعب على المعارضة والإعلام والمنظمات المدنية متابعة تفاصيلها وتعبئة الشارع ضدها كلها في الوقت نفسه.
كما يؤدي ضغط الوقت إلى تقليص قدرة اللجان على إجراء مناقشات معمقة، والاستماع إلى الخبراء، وحساب التكلفة المالية، وتدقيق الصياغات القانونية. وتزداد المشكلة عندما يتعلق الأمر بقوانين أساس أو قوانين تغير مؤسسات الرقابة والإعلام والتحقيق، لأن آثارها لا تنتهي بانتهاء ولاية الحكومة الحالية.
من هنا، يمكن قراءة الأسبوع التشريعي الأخير باعتباره محاولة لإغلاق ملفات مفتوحة قبل الانتخابات. فما لا يُنجز الآن قد يسقط مع حل الكنيست، أو يخضع لمبدأ عدم استمرارية التشريع، أو يحتاج إلى إعادة بنائه في برلمان جديد بتوازنات مختلفة.
صدام جديد محتمل مع المحكمة العليا
حتى إذا نجح الائتلاف في تمرير حزمة القوانين، فلن تنتهي المعركة. فالمحكمة العليا كانت واضحة في أن غياب قانون إعفاء صالح يعني تطبيق قانون الخدمة على طلاب المعاهد الدينية، وأن استمرار التمويل لمن لا يملكون وضعا قانونيا يتعارض مع القانون.
ومن المرجح أن تدفع منظمات مدنية وأحزاب معارضة بالقول إن وقف الاعتقالات وقانون دراسة التوراة صمما للالتفاف على الحكم، لا لتنفيذ مبدأ المساواة الذي أكده. وستتركز الطعون على التمييز بين طالب المعهد الديني وسائر المواطنين الملزمين بالخدمة، وعلى عدم وجود صلة متناسبة بين دراسة التوراة والإعفاء من واجب أمني عام.
ستقول الحكومة في المقابل إن الكنيست، بصفته السلطة التأسيسية، يملك صلاحية تحديد القيم الأساسية للدولة، وإن الاعتراف بدراسة التوراة يغير الإطار الدستوري الذي استندت إليه الأحكام السابقة. وقد تدفع أيضا بأن وقف الاعتقالات إجراء مؤقت يهدف إلى تسهيل التجنيد وخفض التوتر، لا إلى إلغاء الواجب.
لكن قبول هذه الحجة يعني أن السلطة التشريعية تستطيع الرد على حكم قضائي يطالب بالمساواة عبر تعديل تعريف القيم التي تُقاس المساواة في ضوئها. ولذلك قد تتحول المعركة من سؤال «من يخدم؟» إلى سؤال أوسع: من يملك الكلمة الأخيرة في تفسير قوانين الأساس، وهل تستطيع المحكمة إبطال قانون أساس إذا رأت أنه يسيء استخدام السلطة التأسيسية؟
ويأتي ذلك وسط توتر قائم أصلا بين الحكومة والمحكمة العليا. ففي يوليو/تموز 2026، انتقدت المحكمة إعلان الحكومة عدم التزامها بحكم يتعلق بمجلس السلطة الثانية للإذاعة والتلفزيون، وحذرت من أن تجاهل السلطات للأوامر القضائية يزرع الفوضى ويقوض حكم القانون.
لذلك قد لا يكون الصدام المقبل حول الحريديم منفصلا عن الصراع المؤسسي العام. فالقضية تجمع في ملف واحد المحكمة والجيش والحكومة والأحزاب الدينية والميزانيات والحقوق الأساسية، وهو ما يجعلها مرشحة لأن تكون إحدى ساحات المواجهة الدستورية الأشد حساسية قبل الانتخابات وبعدها.
انتخابات 2026: من يدفع ثمن الصفقة؟
أقر الكنيست في 20 مايو/أيار 2026، بالقراءة التمهيدية، اقتراح حل نفسه بأغلبية استثنائية بلغت 110 أعضاء من دون معارضين. وتشير التقديرات السياسية إلى أن الانتخابات المبكرة ستجرى على الأرجح في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026، مع بقاء احتمال تحديد موعد قريب آخر خلال الشهر نفسه.
ويجعل هذا الجدول الزمني أسبوع التشريعات الأخير جزءا من الحملة الانتخابية، حتى قبل حل الكنيست رسميا. فكل حزب لا ينظر فقط إلى مضمون القانون، وإنما إلى الرسالة التي سيأخذها معه إلى ناخبيه.
ستقدم الأحزاب الحريدية قانون دراسة التوراة ووقف الاعتقالات على أنهما إنجاز تاريخي في حماية عالم المعاهد الدينية. وستقول إنها استخدمت قوتها السياسية لمنع الدولة من تحويل آلاف الطلاب إلى مطلوبين، واستعادة المخصصات التي أوقفتها المحكمة، وتثبيت مكانة دراسة التوراة في البنية الدستورية.
أما نتنياهو، فسيحاول مخاطبة جمهورين مختلفين. أمام الحريديم، سيقول إنه وحده القادر على تشكيل حكومة تحمي مصالحهم في مواجهة المحكمة والمستشارة القانونية والمعارضة. وأمام الجمهور العام، سيؤكد أنه لم يقر إعفاء شاملا، وإنما وضع شروطا ورقابة، ومدد خدمة الجنود لتلبية احتياجات الجيش.
لكن المعارضة ستضع الصورتين جنبا إلى جنب: الشاب الحريدي الذي أوقفت الحكومة اعتقاله، والجندي الذي مددت خدمته. وهذه مقارنة سهلة الفهم انتخابيا، ولا تحتاج إلى شرح قانوني معقد.
ومن المتوقع أن تستخدم أحزاب نفتالي بينيت وغادي آيزنكوت وأفيغدور ليبرمان ويائير لبيد القضية لاستقطاب الناخبين الذين يرون أنفسهم جزءا من «الجمهور العامل والخادم». وسيكون الخطاب الأساسي أن حكومة نتنياهو فرضت المزيد على من يخدمون، كي تشتري بقاءها السياسي من أحزاب تمثل من لا يخدمون.
كما قد تتحول القضية إلى أداة لإعادة رسم الخريطة داخل اليمين. فالناخب اليميني الذي يؤيد سياسات نتنياهو الأمنية أو موقفه من الصراع الفلسطيني قد لا ينتقل تلقائيا إلى اليسار بسبب قانون التجنيد، لكنه يستطيع الانتقال إلى حزب يميني أو وسطي أمني يعده بالمساواة في الخدمة.
وهذا هو الخطر الذي عبر عنه تحذير داخل الصهيونية الدينية من «انهيار اليمين». فالمشكلة ليست بالضرورة انتقال جمهور كبير من اليمين إلى أحزاب اليسار، وإنما تفكك كتلة نتنياهو بين الليكود، وحزب بينيت، وقائمة يقودها آيزنكوت، وأحزاب أخرى تخاطب الجنود والاحتياط.
في المقابل، قد يربح نتنياهو من تثبيت التحالف الحريدي أكثر مما يخسره داخل الليكود، إذا بقي المعسكر المعارض منقسما ولم يتمكن من تشكيل ائتلاف بعد الانتخابات. فالأحزاب الحريدية لا تحتاج إلى أن يكون الليكود الحزب الأكبر؛ يكفي أن تبقى كتلة نتنياهو قادرة على الاقتراب من 61 مقعدا.
ولذلك لا تقاس الصفقة بعدد الأصوات التي قد يخسرها الليكود وحده، وإنما بقدرتها على الحفاظ على الكتلة. من منظور نتنياهو، عشرة مقاعد حريدية منضبطة قد تكون أكثر قيمة من عدة مقاعد إضافية لليكود إذا لم تساعده تلك المقاعد على تشكيل حكومة.
لكن الصفقة قد تنقلب عليه إذا تحولت قضية التجنيد إلى رمز جامع لقطاعات متباينة: جنود الاحتياط، والعائلات الشابة، والطبقة الوسطى، والصهيونية الدينية، والليكوديين المعارضين للإعفاء، والناخبين الذين يرون في قوانين الإعلام ولجنة التحقيق محاولة للتهرب من المسؤولية عن السابع من أكتوبر.
ثلاثة سيناريوهات بعد الأسبوع الأخير
يتمثل السيناريو الأول في نجاح الحكومة في تمرير الحزمة كاملة: قانون دراسة التوراة، ووقف الاعتقالات، وتمديد الخدمة إلى 32 شهرا، وقانون الاتصالات، وآلية التحقيق السياسية، والتراجعات المطلوبة في ملفات الكشروت ودعم أسر طلاب المعاهد. في هذه الحالة يدخل نتنياهو الانتخابات وقد وفى للحريديم، لكنه يمنح المعارضة قضية مركزية هي عدم المساواة في تحمل العبء.
أما السيناريو الثاني، فهو تمرير بعض القوانين وفشل البعض الآخر بسبب ضيق الوقت أو الخلافات داخل الائتلاف. عندئذ قد تحصل الحكومة على تمديد خدمة الجنود وقوانينها المؤسسية، من دون أن تمنح الحريديم كامل ما وعدتهم به. وهذا السيناريو قد يعيد فتح أزمة الثقة بين نتنياهو والقيادات الحريدية، التي سبق أن اتهمته بتقديم وعود لا تتحول إلى قوانين نافذة.
والسيناريو الثالث هو نجاح التشريعات في الكنيست ثم تجميدها أو إبطالها أمام المحكمة العليا. وقد يكون هذا السيناريو مفيدا انتخابيا لبعض أطراف الائتلاف؛ لأن نتنياهو يستطيع القول للحريديم إنه أدى واجبه لكن المحكمة أحبطت إرادة الناخبين، بينما تستخدم الأحزاب الدينية الحكم القضائي لتعبئة جمهورها.
غير أن هذا الطريق يحمل خطرا مؤسسيا كبيرا. فإذا رفضت الحكومة تنفيذ قرارات المحكمة أو حاولت تجاوزها بتشريعات إضافية، فقد تدخل إسرائيل الانتخابات وسط أزمة دستورية تتجاوز ملف التجنيد إلى سؤال طاعة السلطات للأحكام القضائية.
العقد الاجتماعي الإسرائيلي أمام اختبار الحرب
تكشف الحزمة التشريعية أن إسرائيل لم تعد تناقش فقط كيفية توزيع المجندين بين الوحدات، وإنما طبيعة الدولة التي تريد أن تكونها بعد أطول حروبها وأكثرها تعددا في الجبهات.
يقول الجيش إنه يحتاج إلى مزيد من الجنود، وإن خدمـة 32 شهرا لا تفعل أكثر من منع تفاقم الأزمة، وإن 36 شهرا يمكن أن توفر ثمانية آلاف جندي احتياط يوميا. ويقول ممثلوه إن الفجوة الإجمالية تصل إلى نحو 12 ألف جندي، وإن تمديد الخدمة وحده لا يكفي.
وفي الوقت نفسه، تقول الحكومة إنها تستطيع حماية طلاب المعاهد الدينية من الاعتقال، والاعتراف بدراسة التوراة قيمة تأسيسية، وإعادة امتيازات ومخصصات ترتبط بعدم الخدمة.
هذه ليست معادلة أمنية فقط، وإنما اختيار سياسي واضح لمن يملك قوة التفاوض داخل النظام. الجندي الفرد لا يملك حزبا قطاعيا يهدد بإسقاط الحكومة إذا مددت خدمته. أما الأحزاب الحريدية، فتملك مقاعد يمكنها إسقاط الائتلاف أو إنقاذه، ولذلك تتحول قدرتها البرلمانية إلى حماية قانونية ومادية لجمهورها.
ومن هنا، فإن قانون الـ32 شهرا وقانون وقف الاعتقالات ليسا قانونين متوازيين فحسب؛ إنهما صورتان متعاكستان لعلاقة الدولة بمواطنيها. في الحالة الأولى تستخدم الدولة سلطتها لإطالة الالتزام. وفي الثانية تستخدم سلطتها لتعليق الإنفاذ.
وقد يكون هذا هو الإرث الحقيقي لأسبوع التشريعات الأخير: ليس فقط عدد الأشهر التي سيخدمها الجنود، أو عدد طلاب المعاهد الذين سيتجنبون الاعتقال، وإنما تكريس تصور جديد للمواطنة، تصبح فيه الواجبات والحقوق نتيجة للقدرة السياسية على المساومة أكثر مما هي نتيجة لقاعدة قانونية مشتركة.
لهذا ستكون القضية في قلب انتخابات 2026. فالناخب الإسرائيلي لن يصوت فقط على الحرب أو الاقتصاد أو شخصية نتنياهو، وإنما على سؤال مباشر: هل يجوز للدولة، في لحظة تقول فيها إن جيشها بلغ الحد الأدنى من حجمه، أن تطلب من الذين يخدمون البقاء مدة أطول، بينما تمنح الذين لم يلتحقوا حماية أوسع؟
خلال خمسة أيام، قد تنجح حكومة نتنياهو في تأمين ما تحتاج إليه للبقاء حتى الانتخابات، وفي منح شركائها ما يحتاجون إليه لخوضها. لكن الثمن قد يكون تعميق الانقسام بين مجتمع المعاهد الدينية ومجتمع الجنود والاحتياط، وتحويل مسألة التجنيد من أزمة ائتلافية متكررة إلى مواجهة انتخابية ودستورية حول معنى الدولة نفسها.
من المهم التنويه أن موقع رِواق يحترم حقوق النشر ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المنشورات او الصور ومقاطع الفيديو أو غيره مما يصل الينا، وفي حال أنكم وجدتم أن لكم صورة او فيديو او منشورا تمتلكون حقوقا فيه، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة أو rwaqmedia@gmail.com حسب قانون 27 أ(סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים)



