آخر الأخباراسرائيليةعربية ودولية

من إسرائيل أولا إلى العقوبات وحظر التجارة: هل يتحول رئيس وزراء بريطانيا الجديد بيرنهام من صديق إسرائيل إلى كابوس أوروبي آخر لها؟

رواق خاص – قبل عقد من الزمن تعهد بأن تكون إسرائيل أول محطة خارجية له إذا انتخب زعيما لحزب العمال، ورفض حركة المقاطعة، وقدم إسرائيل بوصفها دولة ديمقراطية. أما اليوم، وهو على أعتاب رئاسة الحكومة البريطانية، فيعتذر عن موقف حزبه من حرب غزة، ويلوح بعقوبات إضافية، ويدرس حظر التجارة مع المستوطنات. وبين ماضيه المؤيد لإسرائيل، وضغط الناخبين المسلمين واليساريين، ومخاوف الجالية اليهودية، وحاجته إلى بناء علاقة مع دونالد ترامب، يجد بيرنهام نفسه أمام أكثر ملفات السياسة الخارجية حساسية قبل أن يدخل داونينغ ستريت.

حتى 14يوليو/تموز 2026، لم يصبح آندي بيرنهام رئيسا للوزراء رسميا بعد، لكنه بات المرشح شبه الوحيد لخلافة كير ستارمر بعدما حصل على تأييد 322 نائبا من أصل 403 نواب لحزب العمال. ومن المتوقع إعلان فوزه بزعامة الحزب في 17 يوليو، ثم تكليفه بتشكيل الحكومة بعد لقائه الملك تشارلز الثالث في 20 يوليو، ما لم يطرأ تطور استثنائي على المسار الداخلي للحزب.

لكن بيرنهام لم ينتظر دخوله مقر الحكومة حتى يكشف أن غزة ستكون إحدى نقاط الاختلاف الرئيسية بين عهده وعهد ستارمر. ففي أول موقف مفصل له من القضية منذ تحوله إلى رئيس وزراء منتظر، قدم اعتذارا سياسيا عن الطريقة التي تعامل بها حزب العمال مع الحرب في بدايتها، وقال إن الحزب والحكومة لم يصيبا في موقفهما، وإن بريطانيا تأخرت كثيرا في الدعوة إلى وقف إطلاق النار. كما تعهد بممارسة ضغط أكبر على حكومة بنيامين نتنياهو، وفتح الباب أمام عقوبات إضافية وإجراءات تجارية ضد المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.

تكمن حساسية هذا الموقف في أنه لا يصدر عن سياسي يساري اشتهر تاريخيا بعدائه لإسرائيل، بل عن شخصية ارتبط اسمها على مدى سنوات بالجناح المؤيد لها داخل حزب العمال. ولهذا تعاملت الصحافة العبرية مع تصريحاته بوصفها تحولا يستحق الفحص: هل أعاد بيرنهام بناء موقفه فعلا نتيجة ما وقع في غزة، أم أنه يعيد تموضعه انتخابيا لاستعادة شرائح خسرتها حكومة ستارمر؟ وهل يمكن أن يتحول إلى رئيس حكومة بريطانية يفرض عقوبات جدية على إسرائيل، أم ستعيده العلاقة مع الولايات المتحدة ومقتضيات الحكم إلى صيغة أكثر حذرا؟

عندما كانت إسرائيل المحطة الأولى

في سباق زعامة حزب العمال عام 2015، تعهد بيرنهام بأن تكون إسرائيل أول دولة يزورها خارج بريطانيا إذا فاز بقيادة الحزب. وعارض حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، المعروفة باسم «بي دي إس»، وتحدث عن إسرائيل بوصفها ديمقراطية لها سجل طويل في حماية الأقليات والحقوق المدنية. كما ارتبط اسمه بمجموعة «أصدقاء إسرائيل في حزب العمال»، التي تعمل على توثيق العلاقات بين الحزب والدولة العبرية.

لم يكن موقفه آنذاك مجرد تعبير بروتوكولي عن دعم حق إسرائيل في الوجود أو أمنها، بل وضعه داخل معسكر سياسي بريطاني يرى أن العلاقات مع إسرائيل مصلحة استراتيجية وأخلاقية، وأن مقاطعتها نهج غير مشروع أو غير مجد. وكان هذا الخطاب مختلفا بوضوح عن خطاب الجناح اليساري في العمال، الذي ازداد نفوذه لاحقا مع صعود جيريمي كوربين.

لكن بيرنهام لم يتحول، بعد توليه رئاسة بلدية مانشستر الكبرى، إلى ناشط يومي في ملف الشرق الأوسط. فقد ركز طوال سنوات على النقل والصحة والإسكان واللامركزية والشرطة، وحاول البقاء بعيدا نسبيا عن المعارك الخارجية التي مزقت حزب العمال. وبذلك بقيت صورته لدى كثيرين في إسرائيل صورة سياسي بريطاني براغماتي ومعتدل، يحمل تاريخا مؤيدا للعلاقات مع تل أبيب، من دون أن يجعل القضية الإسرائيلية محور هويته السياسية.

غير أن هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحرب اللاحقة على غزة وضعاه أمام واقع جديد. أدان بيرنهام هجوم حماس، لكنه انضم خلال أسابيع إلى قادة مانشستر الكبرى في الدعوة إلى وقف إطلاق النار من جميع الأطراف، في وقت ظل فيه ستارمر وحكومة المحافظين السابقة أكثر تحفظا في استخدام هذا التعبير.

مثّل ذلك أول ابتعاد واضح عن موقفه التقليدي، لكنه لم يصل إلى حد تبني خطاب حركات التضامن مع فلسطين. احتفظ بيرنهام بإدانته لحماس، وبالتأكيد على أمن إسرائيل، لكنه أصبح أكثر انتقادا لحجم القوة المستخدمة في غزة ولأثر الحرب في المدنيين، ثم دعم الاعتراف بالدولة الفلسطينية باعتباره حقا للفلسطينيين لا هدية تمنحها لهم إسرائيل أو الدول الغربية.

الاعتذار الذي فتح الملف من جديد

جاء التحول الأكبر في يوليو/تموز 2026، حين قال بيرنهام إن حزب العمال لم يتعامل بصورة صحيحة مع غزة في بداية الحرب. لم يكن حديثه مجرد تبرؤ من عبارة منفردة قالها ستارمر، وإنما اعتراف بأن الحزب تأخر في فهم حجم المأساة الإنسانية وفي المطالبة بوقف القتال.

قال بيرنهام إن المعاناة في القطاع أصبحت وصمة في الضمير الجمعي، وإن الحكومة البريطانية المقبلة يجب أن تمارس ضغطا أكبر على حكومة نتنياهو. وتحدث عن عقوبات إضافية على أفراد أو جهات مرتبطة بالعنف في غزة والضفة الغربية، وعن دراسة منع التجارة في السلع الآتية من المستوطنات التي تعدها بريطانيا غير قانونية.

لكنه رسم في الوقت نفسه حدودا تحول دون وضعه مباشرة في صف الجناح الأكثر تشددا داخل اليسار البريطاني. فقد رفض أن يصف الحرب بنفسه بأنها إبادة جماعية، وقال إن تحديد ما إذا كانت الجرائم المرتكبة ترقى إلى الإبادة أو جرائم الحرب هو من اختصاص المحاكم الدولية، لا السياسيين. كما أدان هجوم السابع من أكتوبر بوضوح، وأكد أن حكومة بقيادته ستتبنى سياسة عدم التسامح مع معاداة السامية.

بهذا المعنى، لا يطرح بيرنهام قطيعة كاملة مع إسرائيل، وإنما صيغة تقوم على التفريق بين الدولة الإسرائيلية وحكومة نتنياهو، وبين أمن الإسرائيليين والسياسات المتبعة في غزة والضفة الغربية. إنه يريد الاحتفاظ بعلاقة دولة مع دولة، مع توسيع العقوبات والضغوط على الحكومة والمستوطنين والجهات التي يعتقد أنها تعرقل حل الدولتين.

ومن المرجح أن تصبح هذه الصيغة السمة الأساسية لسياسته: دعم حق إسرائيل في الأمن والوجود، وإدانة حماس، ورفض المقاطعة الشاملة، بالتوازي مع استعداد أكبر لفرض أثمان سياسية واقتصادية على حكومة إسرائيل.

هل يمثل بيرنهام انقلابا على سياسة ستارمر؟

قد توحي تصريحاته بأن بريطانيا كانت، حتى الآن، منحازة بالكامل إلى إسرائيل، وأن حكومة بيرنهام ستبدأ من الصفر في تحويل الاتجاه. لكن الواقع أكثر تعقيدا.

فحكومة ستارمر علقت منذ سبتمبر/أيلول 2024 نحو ثلاثين رخصة لتصدير معدات عسكرية إلى إسرائيل من بين نحو 350 رخصة، بعد تقييم خلص إلى وجود خطر واضح في أن تستخدم بعض الصادرات البريطانية في ارتكاب أو تسهيل انتهاكات خطيرة للقانون الإنساني الدولي. وشملت المواد المعلقة مكونات تدخل في طائرات ومروحيات ومسيرات ووسائل استهداف بري. لكنها لم تفرض حظرا شاملا، واستثنت المكونات الموجهة إلى البرنامج الدولي لمقاتلات «إف-35».

كما فرضت لندن عقوبات على وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش بسبب ما وصفته بتحريضهما المتكرر على العنف ضد الفلسطينيين، واتخذت إجراءات ضد مستوطنين وبؤر استيطانية ومنظمات تدعم العنف في الضفة الغربية، وجمدت المفاوضات الرامية إلى تطوير اتفاقية التجارة الحرة مع إسرائيل.

وفي سبتمبر/أيلول 2025، أعلنت بريطانيا رسميا الاعتراف بدولة فلسطين، مؤكدة أن الخطوة تستهدف إعادة الأمل إلى حل الدولتين، مع استمرار الاعتراف بإسرائيل وطنا للشعب اليهودي.

ولهذا لا يرث بيرنهام سياسة صديقة لنتنياهو بلا قيود، بل يرث علاقة تدهورت بالفعل، ورخص أسلحة جرى تعليقها، ووزراء إسرائيليين خاضعين للعقوبات، ومفاوضات تجارية مجمدة، واعترافا بريطانيا بدولة فلسطين.

الاختلاف المحتمل يكمن في الدرجة والنبرة واتساع الأدوات. فقد اكتفى ستارمر غالبا بخطوات قانونية محددة، وحرص على تأكيد أنها لا تمس أمن إسرائيل أو العلاقة الأساسية معها. أما بيرنهام، فيقدم المسألة باعتبارها خطأ سياسيا وأخلاقيا ارتكبه حزبه، ويتعهد بممارسة ضغط «أكبر»، ما يعني أن توقعات مؤيديه وخصومه سترتفع منذ اليوم الأول.

ويضعه ذلك أمام اختبار صعب: إن اكتفى بالإجراءات التي اتخذها ستارمر مع تغيير اللغة، فسيُتهم بأن اعتذاره كان انتخابيا. وإن انتقل إلى حظر أوسع للسلاح أو التجارة، فسيدخل في مواجهة مباشرة مع تل أبيب وواشنطن ومع قطاعات داخل مؤسسات الدفاع البريطانية.

ماذا يستطيع أن يفعل فعليا؟

يمتلك رئيس الحكومة البريطانية مجموعة أدوات مهمة، لكنها لا تصل إلى مستوى القدرة الأميركية على تغيير قرارات إسرائيل.

الأداة الأولى هي العقوبات الفردية. تستطيع الحكومة توسيع قائمة المسؤولين والمستوطنين والشركات والمنظمات الإسرائيلية الخاضعة لتجميد الأموال وحظر السفر. وهذا المسار هو الأسهل قانونيا وسياسيا لأنه لا يستهدف الدولة الإسرائيلية كلها، ويمكن تبريره بمسؤولية أشخاص محددين عن التحريض أو العنف.

الأداة الثانية هي التجارة مع المستوطنات. أشار بيرنهام صراحة إلى احتمال منع السلع والخدمات المرتبطة بالمستوطنات غير القانونية، من دون فرض حظر تجاري على إسرائيل داخل حدودها المعترف بها. وقد يكون هذا الخيار جذابا له لأنه يجمع بين الضغط السياسي والمحافظة على التمييز الذي يطرحه بين إسرائيل والاستيطان.

لكن تطبيق الحظر ليس بسيطا. ستحتاج الحكومة إلى تحديد منشأ السلع، ووضع قواعد للجمارك والشركات والبنوك، والتعامل مع سلاسل إنتاج قد تختلط فيها المنتجات القادمة من المستوطنات بتلك المنتجة داخل إسرائيل. كما ستواجه دعاوى واعتراضات تقول إن الإجراء تمييزي أو يضر بفلسطينيين يعملون في المناطق الصناعية الاستيطانية.

الأداة الثالثة هي مراجعة صادرات السلاح. يستطيع بيرنهام أن يطلب تقييما جديدا لجميع الرخص المتبقية، وأن يوسع دائرة التعليق إذا خلصت المشورة القانونية إلى وجود مخاطر إضافية. لكنه سيواجه المعضلة نفسها التي واجهتها حكومة ستارمر بشأن مكونات «إف-35»، التي تدخل في مخزون دولي ولا تنتقل دائما مباشرة من المصنع البريطاني إلى إسرائيل.

فرض حظر شامل على جميع المكونات البريطانية قد يؤثر في البرنامج الدولي للمقاتلة وفي علاقات لندن الدفاعية مع واشنطن وشركاء آخرين. ولهذا فإن مطالبة اليسار بحظر كامل للسلاح أكثر سهولة كشعار منها كسياسة حكومية لا تترتب عليها تبعات استراتيجية.

الأداة الرابعة هي الدبلوماسية. تستطيع بريطانيا خفض مستوى الاتصالات السياسية، ودعم قرارات دولية أكثر صرامة، وتعزيز التعاون مع فرنسا وكندا ودول أوروبية أخرى، وتمويل المؤسسات الفلسطينية والبرامج الإنسانية، وزيادة الضغط من أجل دخول المساعدات وتنفيذ الانسحاب الإسرائيلي.

أما الأداة الخامسة فهي الاعتراف القانوني والسياسي بالمؤسسات الدولية. يستطيع بيرنهام تقديم دعم أوضح للتحقيقات القضائية الدولية، ورفض أي ضغط يهدف إلى تعطيلها، والتأكيد أن الحصانات السياسية لا تلغي المساءلة.

لكن جميع هذه الأدوات تصطدم بحقيقة أن الولايات المتحدة، لا بريطانيا، هي الطرف الخارجي الأكثر تأثيرا في الحسابات العسكرية والسياسية الإسرائيلية.

غزة التي سيرثها بيرنهام

لا يدخل بيرنهام الحكم في ذروة العمليات الكبرى التي شهدها القطاع خلال السنوات الأولى للحرب، بل في مرحلة هدنة هشة أعقبت خطة سلام رعتها إدارة ترامب في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

أوقفت الهدنة القتال الواسع، لكنها لم تمنع الهجمات والاشتباكات. وحتى يوليو/تموز 2026، ظلت مفاوضات المرحلة الثانية عالقة، مع استمرار الخلاف بشأن نزع سلاح حماس، وانسحاب القوات الإسرائيلية، ونقل إدارة القطاع، ومستقبل الأمن وإعادة الإعمار. وأفادت رويترز بأن أكثر من ألف فلسطيني وأربعة جنود إسرائيليين قتلوا منذ بدء وقف إطلاق النار، فيما واصل الوسطاء محاولاتهم لحماية الاتفاق ومنع العودة إلى حرب شاملة.

قد يبدو ذلك، للوهلة الأولى، عاملا يخفف الضغط على بيرنهام، لأن الحرب لم تعد في صورتها الأشد اتساعا. لكن الهدنة الهشة قد تجعل دوره أكثر تعقيدا. فكل عقوبة بريطانية يمكن أن تقدمها إسرائيل بوصفها تدخلا يضعف المفاوضات، بينما سيقول الفلسطينيون وحلفاؤهم إن استمرار القتل والحصار والتشريد يثبت أن وقف إطلاق النار لم ينه الأزمة.

كما أن الولايات المتحدة لا تعد في هذه المرحلة داعما خارجيا لإسرائيل فقط، بل صاحبة الخطة التي تحكم مفاوضات اليوم التالي للحرب. فقد قدم البيت الأبيض اتفاق أكتوبر 2025 باعتباره خطة أميركية لإنهاء الحرب وإرساء الأمن والاستقرار وإعادة الإعمار، ولا تزال القاهرة والأطراف الإقليمية تتحرك داخل الإطار الذي صاغته إدارة ترامب.

وهذا يعني، استنتاجا، أن أي محاولة بريطانية لتغيير المسار في غزة ستحتاج إلى تنسيق مع واشنطن أو إلى بناء تحالف أوروبي قادر على تحمل الخلاف معها. فبريطانيا تستطيع فرض عقوبات، لكنها لا تستطيع بمفردها إجبار إسرائيل وحماس على تطبيق المرحلة الثانية، أو توفير الضمانات الأمنية والمالية والسياسية اللازمة لإعادة بناء القطاع.

بيرنهام وترامب: علاقة لم تبدأ بعد

يعد ملف غزة واحدا من أكبر الاختبارات المحتملة للعلاقة بين بيرنهام ودونالد ترامب، لأن الرجلين لا يملكان حتى الآن شبكة شخصية مماثلة لتلك التي حاول ستارمر بناءها مع الرئيس الأميركي.

تشير التغطية البريطانية إلى أن ترامب لا يعرف بيرنهام معرفة وثيقة، وأن الرجلين لم يبنيا علاقة سياسية مباشرة ومستقرة. وسبق للرئيس الأميركي أن وصفه بأنه سياسي شديد الليبرالية، بينما انتقد بيرنهام في الماضي نمط السياسة الأميركية القائم على الاستقطاب، وحذر من انتقال السياسة «المظلمة والمنقسمة» إلى بريطانيا.

ومع ذلك، أعلن بيرنهام أنه لن يقود انقلابا في الأسس التقليدية للسياسة الخارجية البريطانية. فقد أكد أن التزام بلاده بحلف شمال الأطلسي والردع النووي سيبقى مطلقا، وأن بريطانيا ستظل حليفا قويا للولايات المتحدة وداعما لأوكرانيا.

هذه المعادلة مهمة: بيرنهام يريد أن يكون أكثر استقلالا في غزة، لكنه لا يريد أن يبدأ عهده بأزمة شاملة مع واشنطن. ويحتاج إلى تعاون ترامب في الدفاع والتجارة وأوكرانيا وإيران وحلف الأطلسي والاستخبارات، فضلا عن مستقبل غزة نفسه.

لذلك يرجح أن يتجنب المواجهة العلنية المباشرة، ويحاول إقناع الإدارة الأميركية بأن الضغط على نتنياهو يخدم استقرار خطة ترامب ولا يقوضها. ويمكنه أن يقول إن وقف الاستيطان وعنف المستوطنين، ودخول المساعدات، وحماية المدنيين، وبناء إدارة فلسطينية قابلة للحياة، شروط ضرورية لإنجاح أي تسوية أميركية.

لكن ترامب يستطيع الرد بأن العقوبات البريطانية تضعف حليفا يخوض مواجهة مع حماس، أو أنها تمنح الحركة حافزا لرفض نزع سلاحها. كما قد ينظر إلى الاعتذار البريطاني عن موقف الحرب باعتباره إدانة ضمنية للخطة التي تقدم إدارته نفسها بوصفها صاحبة الفضل في وقفها.

التباين بين لندن وواشنطن

لا تعني العلاقة الوثيقة بين ترامب ونتنياهو أن واشنطن تمنح إسرائيل حرية مطلقة في كل ملف. فقد مارست الإدارة الأميركية ضغوطا مرتبطة بوقف إطلاق النار، ومستقبل غزة، والانسحابات، والتمويل الفلسطيني، وأظهرت أحيانا استعدادا لكبح خطوات إسرائيلية عندما تتعارض مع الحسابات الأميركية.

لكن نقطة الانطلاق الأميركية مختلفة عن نقطة بيرنهام. تقدم إدارة ترامب الاتفاق على أنه إنجاز رئاسي واستراتيجية أمنية هدفها نزع سلاح حماس وضمان أمن إسرائيل وإعادة بناء غزة تحت ترتيبات جديدة. أما بيرنهام فيبدأ من الاعتذار عن تأخر بريطانيا في وقف الحرب، ومن الحاجة إلى محاسبة المسؤولين عن العنف وإعادة بناء ثقة الناخبين الذين رأوا أن العمال تجاهلوا معاناة الفلسطينيين.

لهذا قد يتفق الطرفان على النتيجة العامة، أي منع تجدد الحرب وإعادة بناء القطاع، ويختلفان على وسائل الوصول إليها. قد يفضل ترامب التفاوض المباشر والضمانات الأمنية والصفقات مع إسرائيل والدول العربية، بينما يستخدم بيرنهام العقوبات والقانون الدولي والضغط التجاري.

ويمثل هذا الخلاف المحتمل أول اختبار لما إذا كان بيرنهام قادرا على تقديم سياسة خارجية بريطانية مستقلة من دون أن يكرر أزمات العلاقة مع واشنطن. فالإفراط في مسايرة ترامب قد يقوض صدقيته لدى الناخبين الذين يريد استعادتهم، بينما قد تؤدي مواجهة مبكرة مع الرئيس الأميركي إلى إضعاف حكومته في ملفات تتجاوز غزة.

كيف تقرأ إسرائيل صعوده؟

ركزت هيئة البث الإسرائيلية وصحيفة «يديعوت أحرونوت» على تعهده بممارسة ضغط أكبر وعلى اعتذاره عن سياسة العمال، لكنهما أشارتا أيضا إلى تاريخه السابق المؤيد لإسرائيل ورفضه وصف الحرب بالإبادة.

وبالنسبة إلى الحكومة الإسرائيلية، ليست المشكلة الأساسية في أن بيرنهام أصبح من أنصار المقاطعة الشاملة؛ فهو لم يعلن ذلك. المشكلة أنه يستطيع استخدام ماضيه المعتدل لمنح العقوبات الجديدة شرعية أكبر داخل الوسط السياسي البريطاني.

حين يفرض سياسي معروف تاريخيا بارتباطه بأصدقاء إسرائيل عقوبات على وزراء أو شركات أو مستوطنات، سيكون من الأصعب على تل أبيب اختزال الخطوة في معاداة إسرائيل أو معاداة السامية. وسيقول بيرنهام إن تحوله دليل على أن سياسات حكومة نتنياهو هي التي دفعت حلفاء سابقين إلى تغيير مواقفهم.

لكن إسرائيل ستحاول بدورها استثمار تناقضاته. ستذكره بإدانته القديمة للمقاطعة، وبوصفه إسرائيل دولة ديمقراطية، وبقوله إن تحديد الإبادة من اختصاص القضاء، وستطالبه بألا يسمح للجناح اليساري في حزبه بتحويل العقوبات المحددة إلى قطيعة سياسية أو اقتصادية شاملة.

كما ستعمل السفارة الإسرائيلية على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، وعرض الرواية الأمنية لما جرى منذ السابع من أكتوبر، والتأكيد أن حماس لم تنزع سلاحها وأن أي ضغط أحادي على إسرائيل قد يعرقل خطة السلام الأميركية.

وقد تجد إسرائيل نفسها أمام رئيس حكومة أكثر صعوبة من ستارمر في الخطاب العام، لكنه ربما يظل قابلا للتفاوض في الغرف المغلقة. فتاريخه لا يشير إلى رفض وجود إسرائيل أو التحالف معها، وإنما إلى اقتناع متزايد بأن العلاقات الطبيعية يجب أن تستخدم للضغط على حكومتها.

نتنياهو أم إسرائيل؟

سيحاول بيرنهام على الأرجح بناء معظم سياسته على الفصل بين إسرائيل وحكومة نتنياهو. وهذا الفصل يمنحه هامشا واسعا للحركة.

يستطيع استقبال ممثلي المعارضة الإسرائيلية وعائلات المتضررين وأصواتا من المجتمع المدني، مع رفض استقبال وزراء خاضعين للعقوبات. ويمكنه توسيع العلاقات العلمية والتكنولوجية مع مؤسسات إسرائيلية، مع منع التجارة مع المستوطنات. كما يستطيع التأكيد على أمن الجالية اليهودية وعلاقات بريطانيا بإسرائيل، مع انتقاد العمليات العسكرية والاستيطان.

لكن نجاح هذه المعادلة ليس مضمونا. فنتنياهو وحلفاؤه سيعتبرون العقوبات على الوزراء أو الجيش أو التجارة تدخلا ضد الدولة، لا ضد حكومة عابرة. وفي المقابل، قد يرى الجناح المؤيد للفلسطينيين أن الفصل بين إسرائيل ونتنياهو وسيلة لحماية العلاقة الأساسية من المحاسبة.

ستكشف قراراته الأولى ما إذا كان الفصل أداة سياسية حقيقية أم مجرد صيغة لغوية. فإذا اقتصرت العقوبات على أكثر الشخصيات تطرفا، بقيت العلاقة مع الدولة سليمة. أما إذا توسعت إلى مؤسسات عسكرية أو شركات كبرى أو حظر واسع للسلاح، فستصبح القطيعة مع حكومة نتنياهو أزمة مع إسرائيل نفسها.

غضب المؤسسات اليهودية البريطانية

لم تمر تصريحات بيرنهام من دون رد. فقد أعلنت هيئة نواب اليهود البريطانيين ومجلس القيادة اليهودية أنهما نقلا إليه مخاوف جدية من مواقفه، وحذرا من تناول حرب غزة بمعزل عن دور حماس في إطلاقها واحتجاز الرهائن والعمل من داخل المناطق المدنية ورفض التخلي عن السلاح والسلطة.

كما شددت المؤسستان على أن تصاعد الخطاب المعادي لإسرائيل قد يتداخل مع معاداة السامية داخل بريطانيا، وطالبتا بيرنهام بتوخي أقصى درجات الحذر في ظل ارتفاع التهديدات التي تستهدف اليهود.

يدرك بيرنهام هذه الحساسية بصورة خاصة بسبب سنواته في مانشستر الكبرى، التي تضم تجمعا يهوديا كبيرا، وبسبب خبرته في التعامل مع التوترات الأمنية والمجتمعية. ولذلك رافق انتقاده لإسرائيل بتعهد صريح بعدم التسامح مع معاداة السامية، وإدانة واضحة لهجوم حماس.

لكن طمأنة الجالية اليهودية لن تعتمد على الكلمات فقط. ستراقب المؤسسات اليهودية الأشخاص الذين يعينهم في وزارة الخارجية وداونينغ ستريت، وطريقة تعامله مع الاحتجاجات، وموقفه من الدعوات إلى المقاطعة الثقافية والأكاديمية، وحدود الخطاب الذي يسمح به داخل حزب العمال.

كما ستخشى أن يستخدم بعض السياسيين اعتذاره لتبرئة حماس أو إنكار المخاطر الأمنية التي واجهها الإسرائيليون. ولهذا سيكون على بيرنهام أن يثبت أن الضغط على حكومة نتنياهو لا يعني التساهل مع الحركة أو معاداة اليهود.

غزة والجرح الانتخابي داخل حزب العمال

لا يمكن فصل اعتذار بيرنهام عن الخسائر السياسية التي أصابت حزب العمال بسبب غزة.

أظهرت انتخابات 2024 وما تلاها أن قطاعات من الناخبين المسلمين واليساريين والشباب انتقلت إلى مرشحين مستقلين أو إلى حزب الخضر، احتجاجا على طريقة تعامل ستارمر مع الحرب. وفي استطلاع نشرته «الغارديان»، قال نحو ثلثي الناخبين الذين تحولوا من العمال إلى الخضر إن غزة كانت عاملا في قرارهم.

بالنسبة إلى بيرنهام، تمثل هذه الكتلة هدفا انتخابيا مباشرا. فهو يريد وقف صعود الخضر والمستقلين في الدوائر الحضرية، وإعادة الناخبين المسلمين الذين شعروا بأن الحزب تجاهلهم، ومنع تحالف احتجاجي قد يلتهم مقاعد العمال في الانتخابات المقبلة.

لكن استعادة هؤلاء الناخبين تحتاج إلى أكثر من اعتذار. سيطالبونه بحظر السلاح، وعقوبات أوسع، ودعم المحاكم الدولية، ورفض استقبال مسؤولين إسرائيليين، ومواقف صريحة بشأن الضفة الغربية وإعادة إعمار غزة.

وفي الوقت نفسه، قد يخسر بيرنهام ناخبين وسطيين إذا ظهر كأنه يسمح للسياسة الخارجية بأن تخضع للضغوط الطائفية أو لهوية جماعة انتخابية بعينها. وسيستخدم المحافظون وحزب الإصلاح أي تنازل لإسرائيل لاتهامه بإضعاف التحالفات الغربية سعيا وراء الأصوات.

وهنا تكمن الحيلة السياسية التي يحاول تنفيذها: تقديم سياسته لا بوصفها استجابة إلى الناخب المسلم وحده، بل استعادة لمكانة بريطانيا الأخلاقية والقانونية، وتصحيحا لسياسة فشلت في حماية المدنيين وأضرت بحل الدولتين.

ضغط الجناح اليساري

رغم اعتذاره، لا يحظى بيرنهام بثقة كاملة لدى اليسار المؤيد للفلسطينيين. فقد تعرض لهجوم من شخصيات بارزة ذكّرته بعضويته السابقة في «أصدقاء إسرائيل في حزب العمال»، ومعارضته لحركة المقاطعة، وتصريحاته القديمة الإيجابية عن إسرائيل.

وسيرى هذا الجناح أن رفضه استخدام وصف الإبادة محاولة للوقوف في منتصف الطريق، وأن التلويح بعقوبات على المستوطنات لا يعالج الدعم العسكري والسياسي الأساسي لإسرائيل.

من المتوقع لذلك أن يضغط عليه نواب وناشطون من أجل تعليق جميع رخص السلاح المتبقية، بما فيها المكونات المرتبطة بمقاتلات «إف-35»، وفرض حظر اقتصادي أوسع، ودعم ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين، وإلغاء القيود على منظمات الاحتجاج المؤيدة لفلسطين.

وقد تصبح التعيينات الوزارية أول مؤشر. فإذا اختار وزير خارجية مقربا من التيار الوسطي والأطلسي، سيطمئن واشنطن وإسرائيل، لكنه سيغضب اليسار. أما إذا منح المنصب لشخصية ذات خطاب شديد تجاه إسرائيل، فقد يبدأ عهده بأزمة دبلوماسية.

هل الاعتذار أخلاقي أم انتخابي؟

لا توجد وسيلة قاطعة لفصل القناعة الأخلاقية عن الحساب السياسي. فالسياسيون يغيرون مواقفهم أحيانا لأن الوقائع تغيرت، وأحيانا لأن الناخبين تغيروا، وغالبا بسبب الاثنين معا.

ما يدعم فرضية التحول الحقيقي أن بيرنهام دعا إلى وقف إطلاق النار منذ أسابيع الحرب الأولى، قبل أن يصبح مرشحا وشيكا لرئاسة الحكومة، وأن انتقاداته تصاعدت تدريجيا مع استمرار القتل والدمار والاستيطان.

وما يدعم فرضية إعادة التموضع أن الاعتذار جاء في اللحظة التي يحتاج فيها إلى توحيد حزب العمال واستعادة ناخبي الخضر والمستقلين، وأنه حافظ على صياغات حذرة تجنبه مواجهة كاملة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة.

الأرجح أن بيرنهام يجمع الدافعين. فهو يعتقد أن موقف العمال أخفق أخلاقيا وسياسيا، ويرى في تصحيحه فرصة لإعادة بناء التحالف الانتخابي للحزب.

ولا يلغي الحساب الانتخابي أهمية النتيجة. فإذا دفعته المنافسة على الأصوات إلى فرض عقوبات أو وقف صادرات أو زيادة الدعم لغزة، فستكون آثار القرار حقيقية بصرف النظر عن دوافعه.

أربعة جماهير لرئيس واحد

سيضطر بيرنهام إلى مخاطبة أربعة جماهير تختلف مطالبها جذريا.

الجمهور الأول هو الناخبون المسلمون واليساريون، الذين يريدون قطيعة واضحة مع سياسة ستارمر، ومحاسبة إسرائيل، وحماية الفلسطينيين من أن تصبح الهدنة غطاء لاستمرار العمليات والاستيطان.

الجمهور الثاني هو اليهود البريطانيون وحلفاء إسرائيل، الذين يريدون ضمانات بأن إدانة حكومة نتنياهو لن تتحول إلى شرعنة خطاب معاد للسامية أو إلى تجاهل حماس والرهائن والتهديدات الأمنية.

الجمهور الثالث هو الحكومة الإسرائيلية، التي تريد منع تحول العقوبات المحددة إلى مسار يقود إلى عزلة تجارية وعسكرية ودبلوماسية متصاعدة.

أما الجمهور الرابع فهو إدارة ترامب، التي تريد الحفاظ على سيطرتها السياسية على ملف غزة، ومنع الحلفاء من اتخاذ خطوات تفسد خطتها أو تضعف قدرتها على التفاوض مع إسرائيل.

لن يستطيع بيرنهام إرضاء الجميع. وستكون مهمته اختيار الخسائر التي يستطيع تحملها.

السيناريو الأول: تغيير محسوب بلا قطيعة

في هذا السيناريو، يفرض بيرنهام عقوبات إضافية على مستوطنين ومسؤولين متطرفين، ويبدأ إجراءات لحظر التجارة مع المستوطنات، ويزيد المساعدات الإنسانية ودعم المؤسسات الفلسطينية، لكنه يحافظ على العلاقات الدبلوماسية والتجارية الأساسية مع إسرائيل.

كما يبقي معظم رخص السلاح غير المرتبطة مباشرة بغزة، ويستمر في استثناء برنامج «إف-35»، مع مراجعات قانونية دورية.

سيقدم ذلك إلى ناخبيه بوصفه ضغطا فعليا، وإلى واشنطن بوصفه سياسة متوافقة مع حل الدولتين وخطة السلام. وهو السيناريو الأكثر انسجاما مع تاريخه السياسي ومواقفه الحالية.

لكن الخطر أن يبدو أقل بكثير من حجم الاعتذار والتوقعات، فيتهمه اليسار بإعادة إنتاج سياسة ستارمر في غلاف جديد.

السيناريو الثاني: مواجهة مفتوحة مع نتنياهو

قد تدفع عودة القتال الواسع أو انهيار الهدنة أو وقوع أزمة إنسانية جديدة حكومة بيرنهام إلى إجراءات أشد: تعليق معظم صادرات السلاح، وتوسيع العقوبات إلى مسؤولين عسكريين وسياسيين إضافيين، وفرض حظر شامل على منتجات المستوطنات، وخفض مستوى الزيارات الرسمية.

في هذه الحالة، سترد إسرائيل باتهام لندن بمكافأة حماس وإضعاف المفاوضات، وقد تتدهور العلاقات الدبلوماسية بسرعة.

وسيضطر ترامب إلى الاختيار بين احتواء الخلاف البريطاني الإسرائيلي أو الوقوف علنا إلى جانب نتنياهو ضد بيرنهام. وقد تصبح غزة أول أزمة حقيقية في العلاقة بين الرئيس الأميركي ورئيس الحكومة البريطانية الجديد.

السيناريو الثالث: ترامب يعيد بيرنهام إلى الوسط

يستطيع الرئيس الأميركي استخدام ملفات الدفاع والتجارة والاستخبارات وأوكرانيا للضغط على لندن، وإقناع بيرنهام بأن العقوبات الواسعة ستضر بالعلاقة الخاصة وبخطة غزة.

قد يقبل بيرنهام عندها الاكتفاء بعقوبات محدودة، مع دور دبلوماسي وإنساني أكبر لبريطانيا، مقابل إدخاله إلى المفاوضات الأميركية حول إعادة الإعمار والحكم الفلسطيني.

سيحافظ ذلك على العلاقة مع واشنطن، لكنه يعرض بيرنهام لاتهام بأنه تراجع أمام ترامب بعد وصوله إلى السلطة.

السيناريو الرابع: تحالف أوروبي للضغط على إسرائيل

إذا رفضت واشنطن مطالبه، قد يعمل بيرنهام مع فرنسا وكندا والنرويج وأستراليا ودول أوروبية أخرى لتشكيل جبهة تفرض عقوبات منسقة على المستوطنات وتدعم الدولة الفلسطينية والمحاكم الدولية.

وقد سبق لبريطانيا أن نسقت عقوبات على وزراء إسرائيليين ومستوطنين مع مجموعة من الشركاء، ما يوفر أساسا لهذا المسار.

لكن قدرة هذا التحالف ستظل محدودة ما لم تشارك فيه الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي بأكمله. كما قد يؤدي إلى انقسام غربي علني حول إسرائيل في وقت تسعى فيه بريطانيا إلى إثبات التزامها بحلف الأطلسي.

أول مئة يوم

ستكون هناك مؤشرات مبكرة تكشف الاتجاه الذي اختاره بيرنهام.

أولها هو تشكيل الحكومة، وخصوصا هوية وزير الخارجية ومستشاري الأمن القومي والشرق الأوسط.

وثانيها قرار مراجعة رخص السلاح: هل ستكون مراجعة فنية روتينية، أم مقدمة لتعليق أوسع؟

وثالثها مشروع حظر التجارة مع المستوطنات. فإن انتقل بسرعة من الدراسة إلى إعداد تشريع أو تعليمات جمركية، فسيثبت أن تصريحاته لم تكن رمزية.

ورابعها أول اتصال مع نتنياهو. هل يركز على أمن إسرائيل وحماس، أم يفتتح العلاقة بإنذار بشأن غزة والاستيطان؟

وخامسها اللقاء الأول مع ترامب، حيث سيظهر ما إذا كان بيرنهام قادرا على مناقشة إسرائيل بصرامة من دون أن يحول الخلاف إلى أزمة في العلاقات البريطانية الأميركية.

رجل بين ماضيه ومستقبله

قصة بيرنهام وإسرائيل ليست قصة انتقال بسيط من الصداقة إلى العداء. إنها قصة سياسي بدأ من قناعة بأن توثيق العلاقة مع إسرائيل يعزز السلام والتقدم، ثم رأى أن تلك العلاقة لم تمنع حربا مدمرة أو توسعا استيطانيا أو تراجعا لحل الدولتين.

لا يزال يرفض المقاطعة الشاملة، ولا يصف الحرب بالإبادة، ولا يتجاهل هجوم حماس، ولا يطرح إلغاء التحالف مع الولايات المتحدة. لكنه لم يعد مستعدا إلى اعتبار العلاقات الطبيعية مع إسرائيل غاية قائمة بذاتها.

يريد تحويل العلاقة إلى أداة ضغط. وهذه هي النقطة التي تقلق حكومة نتنياهو أكثر من شعارات اليسار التقليدي: سياسي كان يقول إن إسرائيل ستكون وجهته الأولى، أصبح يقول إن بريطانيا يجب أن تعاقب المسؤولين عن العنف وتحظر تجارة المستوطنات.

لكن المسافة بين الوعد والتنفيذ كبيرة. فبمجرد دخوله داونينغ ستريت، لن يتعامل مع إسرائيل كملف أخلاقي أو انتخابي فقط، بل كجزء من شبكة تضم الولايات المتحدة والدفاع والاستخبارات وحلف الأطلسي وإيران وسوريا والتجارة والأمن الداخلي.

وسيكتشف أن العقوبات التي تبدو بسيطة في خطاب انتخابي قد تمس سلاسل توريد عسكرية دولية، وأن حظر منتجات المستوطنات يحتاج إلى بنية قانونية ورقابية، وأن تحدي نتنياهو قد يتحول إلى مواجهة مع ترامب، وأن طمأنة اليهود البريطانيين قد تصطدم بمطالب الناخبين الذين يريدون إجراءات أشد.

غزة بوابة بيرنهام إلى العالم

يريد بيرنهام أن يقدم نفسه زعيما يهتم أولا بالاقتصاد والصحة والنقل واللامركزية، وهي الملفات التي صنعت شعبيته في شمال إنجلترا. لكن غزة قد تجبره على تعريف سياسته الخارجية قبل أن يملك الوقت لصياغتها.

إن نجح في الجمع بين الضغط على إسرائيل، وحماية أمن اليهود، ودعم الفلسطينيين، والتعاون مع واشنطن، فقد يصنع نموذجا بريطانيا أكثر استقلالا من عهد ستارمر من دون الانفصال عن الولايات المتحدة.

أما إذا حاول إرضاء الأطراف كلها، فقد ينتهي إلى سياسة غامضة: اعتذار بلا تغيير، وعقوبات محدودة لا تؤثر في إسرائيل، وتحالف أميركي لا يمنح بريطانيا دورا حقيقيا، وناخبون يزدادون اقتناعا بأن حزب العمال لا يسمعهم إلا في مواسم الأزمات الانتخابية.

وبذلك لا تشكل غزة مجرد ملف خارجي لرئيس الحكومة المنتظر. إنها الاختبار الذي سيحدد معنى «التغيير» الذي وعد به، وحدود استقلاله عن ترامب، وطبيعة علاقته بإسرائيل، وقدرته على إعادة توحيد حزب العمال بعد واحدة من أعمق أزماته الأخلاقية والسياسية.

قبل أحد عشر عاما، أراد آندي بيرنهام أن يبدأ رحلته الخارجية من إسرائيل. واليوم، قد تبدأ رئاسته للحكومة البريطانية بمعركة معها.

وبين الوعد القديم والاعتذار الجديد، تقف غزة شاهدة على التحول الذي أصاب الرجل وحزبه وبريطانيا نفسها.

من المهم التنويه أن موقع رِواق يحترم حقوق النشر ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المنشورات او الصور ومقاطع الفيديو أو غيره مما يصل الينا، وفي حال أنكم وجدتم أن لكم صورة او فيديو او منشورا تمتلكون حقوقا فيه، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة أو rwaqmedia@gmail.com حسب قانون 27 أ(סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *