خمسة أعوام على الحراك الشبابيّ الفحماويّ: نشحذ الهمم ونستمر بالنضال، بقلم د. يوسف جبارين

بقلم: د. يوسف جبارين
في مثل هذه الأيام قبل خمسة أعوام، وتحديدًا في 26.2.21، وعندما كان الحراك الشبابيّ الفحماويّ في ذروة نشاطه الاحتجاجيّ، أقدمت عناصر الشّرطة الإسرائيليّة، بقرار تم التخطيط له مسبقًا، على الاعتداء على مظاهرتنا الأسبوعيّة السّلميّة وتفريق المتظاهرين بشكلٍ عنيف وهمجيّ، وأطلقت الرصاص المطاطيّ وقنابل الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين بالإضافة إلى رشهم بالمياة الكريهة.
المنظومة الشّرطيّة الّتي لطالما تعاملت مع المواطنين العرب بوصفهم أعداءً، كما ظهر بوضوح في نتائج لجنة أور الّتي حققت في أحداث هبّة القدس والأقصى في العام 2000، هي نفس المنظومة الّتي فرّقت مظاهرة أم الفحم قبل خمسة أعوام، وهي ذات المنظومة الّتي تتواطأ مع عناصر الإجرام في مجتمعنا العربيّ وتختفي حين تقع الجرائم. وهي أيضًا نفس الشّرطة الّتي نتظاهر ضدّها في السنوات الأخيرة ونوجه إليها أصابع الاتهام.

آنذاك، في الاسبوع السابع للحراك، تعرّض العشرات من أهالينا إلى إصابات بفعل هذا العنف الشّرطويّ العنصريّ، وكان قد طالني شخصيًا نصيبٌ من هذا العنف إلى جانب رئيس البلدية د. سمير محاميد والعشرات من الشبان والشابات المصابين. هذا الحراك الفحماويّ الّذي بدأه شباب وشابّات أم الفحم شكّل حالةً رائدة ونموذجًا نضاليًا يُحتذى به من النضال الشبابيّ الشعبيً، وسرعان ما تحوّل إلى حالةٍ نضاليّة على صعيد المنطقة بأكملها، بل في العديد في بلداتنا أيضًا. لم يكن هذا الحراك مجرّد هبّة عابرة، بل كان حراكًا شبابيًا مستمرًّا، استمر على مدار ثلاثة أشهر متواصلة، لم تهدأ خلالها الحناجر المطالبة بحقها الأساسي بالأمن والأمان.
لماذا شكّل الحراك الفحماويّ حالّة هامّة من المهم الالتفات إليها؟ أوّلًا لأنّه كان حراكًا وحدويًا بامتياز. الحراك جمع داخله كلّ المركّبات السّياسيّة والاجتماعيّة في مدينة أم الفحم وكان عابرًا للانتماءات الفئويّة والحزبيّة. كان في شكله، مضمونه، شعاراته وتنظيمه، حراكًا موحدًا نجح بأن يستقطب الجميع تحت سقف وحدويّ. ثانيًا، الاستمراريّة والمثابرة، إذ أنّ الحراك كان أسبوعيًا، يشارك فيه المئات وأحيانًا الآلاف من الأهالي، بل وعشرات الآلاف في احدى مظاهراته المركزية. هذه الاستمراريّة النّضاليّة طوال ثلاثة أشهر كانت عاملًا ضاغطًا هامًا وشكلت حالة شعبية مميّزة. ثالثًا، المشاركة الشّبابيّة الواسعة. نضالاتنا جميعها تحتاجُ حضورًا شبابيًا واسعًا، من أبناء وبنات مجتمعنا، فالشباب عماد كل مجتمع ودينامو النشاط. وهذا ما كان في الحراك الفحماويّ.
وفي الوقت الّذي بأخذ فيه النّضال ضدّ العنف والجريمة على الساحة القطريّة في المجتمع العربيّ زخمًا جديًّا بعد انطلاق الشرارة في سخنين، فإنه من الأهمية بمكان أن نستذكر المحطّات النضاليّة السابقة في مسيرتنا لكي نشحذ الهمم، نتعلّم من تجاربنا، نقيّم النّجاحات والإخفاقات، وننطلق بإرادة شعب وبطاقات الشباب من أجل تعزيز أدائنا النّضاليّ الجمعيّ.
يعلمنا التاريخ أنّ النجاحات النّضاليّة الكبيرة في تّاريخ الشعوب لم تكن بفعلِ حدثٍ هنا وحدث هناك، بل جاءت بفضل نضالات جماهيريّة تراكميّة ومستمرة. وعندما ننظرُ إلى نضالنا في الأشهر الأخيرة من أجل الحياة الآمنة، نستذكر الحراك الفحماويّ لنرى هذا الرابط الهام بينه وبين محطاتنا النضالية الجمعيّة، مثل مظاهرة عشرات الآلاف في مجد الكروم، ومظاهرة ال 100 ألف في سخنين ومظاهرة عشرات الآلاف في تل أبيب، وما سيأتي أيضًا من حراك جماهيري قادم.
كلمة السر في نجاحنا تبقى الاستمراريّة! المثابرة والاستمرارية هما الضّمانة بأن تصبّ جهودنا نحو التغيير المرجو. هذه الاستمرارية تستمد حضورها أيضًا من خلال تعزيز الطّابع والمضمون الوحدويّ لنضالنا، ومن خلال التأكّيد على أن الصّرخة الّتي نرفعها هي ليست صرخة شخص واحد، أو حيّ أو بلدة أو منطقة، بل صرخة الكل، وصرخة الجميع. هي صرخة شعب بأكمله، شعب تثبت مسيرته مرّة بعد مرّة أن مصيره واحد، وأن ألمه واحد، وأن مكامن الخطر الّتي تهدده واحدة. فإذا لم يشعر ابن رهط أو ابن النّاصرة أو ابن الرملة بالأمان، فإنّ ابن كفر قاسم وابن أم الفحم لن يشعرا بالأمان أيضًا. هذه الوحدة يجب تترجم بالمضمون، بالشّعارات، بالتّنظيم، بالقيادة وبروح الحراك. حراكُ شعب.
لا يمكن أنّ نسمح باضمحلال أو تلاشي الحالة النّضاليّة الّتي انطلقت في بلداتنا ضد الجريمة والعنف. نناضل اليوم، لنضمن حياة آمنة لأبنائنا وبناتنا في الغد. هذا نضالٌ وجوديّ لا بدّ أن نكون على قدره. ننشد حقنا الأساسي بالأمن والأمان، ونستمر بهذا الحراك الوحدويّ، بمثابرة وإصرار.

من المهم التنويه أن موقع رِواق يحترم حقوق النشر ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المنشورات او الصور ومقاطع الفيديو أو غيره مما يصل الينا، وفي حال أنكم وجدتم أن لكم صورة او فيديو او منشورا تمتلكون حقوقا فيه، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة أو rwaqmedia@gmail.com حسب قانون 27 أ(סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים)



