آخر الأخباراسرائيلية

12 ساعة من الصمت والحذف والتعديل: لماذا تأخر نتنياهو عن إعلان وقف إطلاق النار؟

بقلم: ميكي ليفين

سنوات من التصريحات، عشرات الخطابات، وعدد لا يُحصى من “أنا أوصيت”، “أنا أمرت”، “أنا قررت”، التي كان يُنسبها لنفسه فقط، ومع ذلك في اللحظة الأكثر درامية، بعد 12 ساعة من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، ظهر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مساء الأمس أمام الكاميرات خائفًا ومهزومًا، ولم يعد يتحدث بـ “أنا”، بل بـ “نحن”. لأنّه عندما لا يوجد انتصار، من الأفضل توجيه اللوم جماعيًا للجميع. بدا نتنياهو غير مقتنع بالنص الذي قرأه من التليبرومبتر، فكيف لنا أن نقتنع؟

في لحظة حرجة كهذه لجمهور عانى شهرًا ونصف من الحرب، لا نستحق مؤتمرًا صحفيًا، ولا أسئلة الصحفيين، ولا مواجهة مع الواقع. فقط بيان مسجّل، مُعدّ، مُصقل، صُمم لمنحه سيطرة كاملة على الرسالة. بينما اكتشف الجمهور الإسرائيلي وقف إطلاق النار عبر دونالد ترامب ومن خلال رئيس وزراء باكستان، اختار رئيس وزراء إسرائيل الصمت. وبعد نصف يوم، حين أصبح واضحًا أن الحرب انتهت دون تحقيق أهدافها الرئيسية، خرج ليشرح لنا لماذا يُعتبر هذا انتصارًا.

ومن الصعب التخلص من الإحساس بأن استغراقه 12 ساعة لم يكن لأنه لم يعرف ماذا يقول، بل لأن فريق المتحدثين استغرق 12 ساعة لمعرفة كيفية صياغة الكلام. كيف يتم هندسة الوعي؟ كيف يتم تحويل وقف إطلاق النار المفروض من الخارج، قبل تحقيق الأهداف المحددة، إلى “انتصار”؟ كيف يتم أخذ شعور بالإحباط، التبعية وفقدان السيطرة وتغليفه بكلمات مثل “إنجازات هائلة”، “سحقنا”، “حطمنا”؟

لكن هذا لم يكن بيانًا عن النصر. كان بيانًا لرجل يحاول إعادة كتابة الواقع. مثلًا، كلمات معينة حرص على إدراجها وكلمات أخرى حرص على حذفها من البيان. فقد عاد نتنياهو بالذاكرة إلى حرب أكتوبر، وسمّاها حرب “الانتفاضة”، رغم أن اسم الحرب يثير غضبًا كبيرًا لدى شريحة واسعة من الجمهور. وفي الوقت نفسه، اختار حذف عبارة “لأجيال وأجيال”، لأن كذبه انكشف للجمهور وتعلم الدرس.

كرر نتنياهو مرارًا نفس الإنجازات في إيران: قادة تم القضاء عليهم، صواريخ تم تدميرها، مصانع صلب قصفت، منشآت بتروكيماوية اشتعلت فيها النيران، طائرات إيرانية دُمّرت، البحرية تضررت – وكأن مضيق هرمز هو مشكلتنا. “سحقنا”، “أضررنا”، “دمرنا”. بدا تقريبًا وكأنه يستمتع بسرد قائمة الأهداف، إلا أن كل هذا لم يجيب عن السؤال البسيط جدًا: من أجل ماذا؟

ما كانت أهداف الحرب، وهل تحققت؟ بعد كل الغارات، لا تزال إيران تمتلك صواريخ. لا يحتاج الجمهور الإسرائيلي إلى تقرير استخباراتي ليعرف ذلك. يكفي النظر إلى الليالي الماضية، إلى الإنذارات، إلى الملاجئ، إلى الدولة التي توقفت مرارًا بسبب عشرة صواريخ باليستية فقط. إذا بقي لإيران عشرة آلاف صاروخ أو عشرين ألفًا، فهذا بالكاد يهم. عدد قليل يكفي لشل دولة بأكملها.

حتى اليورانيوم المخصب ما زال موجودًا. النظام الإيراني لم ينهار، بل على العكس، لا يزال قائمًا، يلوّح بالأعلام، ينشر فيديوهات دعائية، ويعد بالانتقام. نتنياهو لم يذكر ذلك، ولم يوضح أيضًا لماذا، إذا انتهت الحرب، إسرائيل ليست حتى على طاولة المفاوضات التي تعتزم الولايات المتحدة فتحها مع إيران.

كاد أن يغيب عنكم – لأن الرسالة الوحيدة في تصريحه لم تكن “لقد انتصرنا”، بل “أنا فقط أعرف كيف أتحدث مع ترامب”. وهناك رسالة أخرى، ربما الأهم، مخفية تحت كل جملة في هذا البيان: الانتخابات.

لم يحاول نتنياهو فقط إقناع الجمهور بأن وقف إطلاق النار إنجاز، بل حاول بيع قصة أكبر بكثير: أنه الوحيد القادر على التحدث مع دونالد ترامب، وأنه الوحيد الذي يملك “خطًا مباشرًا” للبيت الأبيض، وأنه بفضله فقط تحصل إسرائيل على الدعم الأمريكي. ومن دون أن يقول ذلك صراحة، بذلك أشار إلى حملته الانتخابية القادمة: أنا أو فقدان الاتصال مع الولايات المتحدة.

نعم، لا بد من الاعتراف، لدى نتنياهو علاقة جيدة مع ترامب. يتحدثان بلغة سياسية واحدة، كلاهما يحب القوة، الإيماءات الكبيرة، وصورة “الزعماء الأقوياء”. لكن ترامب هو رئيس الولايات المتحدة، وليس مستشار حملة نتنياهو. هو لا يحب نتنياهو شخصيًا، بل يحب إسرائيل، أو على الأقل التحالف مع إسرائيل كما يخدم مصالحه.

ومن المؤسف أن نتنياهو لم يخبر الجمهور بذلك بصدق، لأن ترامب سيتحدث مع أي رئيس وزراء إسرائيلي يُنتخب، وسيتعاون أيضًا مع زعيم من المعارضة، تمامًا كما عمل الرؤساء الأمريكيون سابقًا مع حكومات يمين ووسط ويسار. من يدعي أن سقوط نتنياهو سيؤدي إلى انهيار العلاقة مع واشنطن، لا يؤمن حقًا بقوة إسرائيل، بل يؤمن فقط بقوة نتنياهو.

والواقع، بل هذا البيان نفسه، يثبت العكس. فإذا كانت العلاقة الشخصية قوية إلى هذا الحد، لماذا اكتشفت إسرائيل وقف إطلاق النار من ترامب قبل أن تسمع عنه من رئيس وزرائها؟ إذا كانت العلاقة خاصة جدًا، لماذا ترامب هو من يقرر متى تنتهي الحرب؟ وإذا قرر غدًا أن لا يجوز لإسرائيل العمل ضد حزب الله في لبنان، أو عدم الرد على تهديد إيراني جديد – ماذا سيفعل نتنياهو بالضبط؟

بسبب نتنياهو، يسمح ترامب لنفسه بالمزيد. وبسبب أن نتنياهو بنى عبر سنوات صورة من يعتمد فقط على علاقته الشخصية مع الرئيس الأمريكي، تجد إسرائيل نفسها اليوم أقل استقلالية، أقل سيادة، وأكثر اعتمادًا على إرادة شخص واحد في واشنطن. لم يعد هذا يبدو كتحالف بين دولتين، بل علاقة يقرر فيها طرف واحد ويُستجب له الآخر. أصبحنا دولة تابعة.

ترامب يقرر متى تبدأ الحرب، متى تنتهي، أين يجوز لإسرائيل العمل وأين لا يجوز. ونتنياهو، بدلًا من المواجهة والتوضيح بأن هناك حدود لما يمكن أن تقبله دولة ذات سيادة، يقدم ذلك كدليل على عظمته السياسية.

لكل من زعم في الولايات المتحدة أو في الداخل أن نتنياهو نجح في خداع ترامب ودفعه لحرب لا علاقة لها بالولايات المتحدة – يمكن الآن أن يطمئن، لأن من يقرر هو ترامب، ومن وقع في فخ ترامب هو نتنياهو نفسه، الذي باع سيادة إسرائيل واستقلالها مقابل علاقة شخصية مع الرئيس الأمريكي.

وفي الوقت الذي حاول فيه نتنياهو إقناعنا بأن علاقته بترامب هي الانتصار الحقيقي، سُمعت في الولايات المتحدة خطب مختلفة تمامًا، تمجد القوة العسكرية الأمريكية، وحسم الرئيس، وقدرات الولايات المتحدة. أما نتنياهو، فلم يذكر تقريبًا أي كلمة عن إسرائيل.

لا عن سلاح الجو الإسرائيلي، الذي حمل وحده تقريبًا الحمل الأساسي للمعركة طوال الأسابيع الماضية. لا عن الطيارين الذين طاروا لمسافات شاسعة مرارًا وتكرارًا. لا عن جهاز الاستخبارات، ولا عن جهاز الموساد الذي عمل سنوات لجمع المعلومات التي مكنت الغارات الأمريكية في إيران. لا عن الجنود الذين يقضون الليالي أمام الشاشات لاعتراض الصواريخ في طريقها لإسرائيل. ولا عن الاحتياطيين الذين قاتلوا ونجحوا رغم انتقادات نتنياهو وأتباعه لهم.

هم الذين حققوا الإنجازات التي تفاخر بها نتنياهو. لكن في تصريحه، كما في الخطب الأمريكية، أصبحوا مجرد ديكور. رئيس الأركان، الطيارون، عناصر الموساد، مقاتلو الدفاع الجوي – جميعهم اختفوا خلف عرض آخر لـ “أنا وأنا وأنا”، الذي استبدل بـ “نحن” فقط لأنه كان من الأسهل توزيع المسؤولية عن فشل وقف إطلاق النار.

بدلًا من شرح الخطوة القادمة، وبدلًا من عرض استراتيجية، عاد لعد الأهداف. بدلًا من الحديث عن تسوية سياسية، عن التحالفات الإقليمية الممكن بناؤها، عن الاتفاقيات التي كان يمكن المضي قدمًا بها، اختار مرة أخرى لغة ضابط الأهداف: قاعدة أخرى، صاروخ آخر، مصنع آخر.

ولكن بدون هدف سياسي، تبقى أعظم الإنجازات العسكرية مجرد هواء. لقد أثبت الجيش الإسرائيلي، وسلاح الجو، وجهاز الأمن قدراتهم الاستثنائية مرة أخرى، وهذا أمر لا شك فيه. لكن دور رئيس الوزراء ليس فقط عد الأهداف، بل معرفة كيفية استثمار الإنجاز العسكري للتوصل إلى اتفاق، لتسوية، ولواقع أفضل وأكثر أمانًا – وهذا لم يفعله، كما لم يفعل مع حماس في غزة، كما لم يفعل مع حزب الله في لبنان.

في هذا البيان، لم يقدم نتنياهو إجابات، بل أثبت مرة أخرى أنه ما زال يعتقد أنه إذا كرر بما فيه الكفاية “سحقنا” و”دمرنا”، ربما ينسى الجمهور السؤال الوحيد المهم: إذا انتهت الحرب والنظام الإيراني ما زال قائمًا، والصواريخ ما زالت موجودة، والمواد النووية ما زالت موجودة، ولم يُقضَ على العملاء، فما هو النصر الذي يتحدثون عنه بالضبط؟

من المهم التنويه أن موقع رِواق يحترم حقوق النشر ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المنشورات او الصور ومقاطع الفيديو أو غيره مما يصل الينا، وفي حال أنكم وجدتم أن لكم صورة او فيديو او منشورا تمتلكون حقوقا فيه، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة أو rwaqmedia@gmail.com حسب قانون 27 أ(סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים)

بصائر الخير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *