ترمب وأردوغان يعيدان رسم الخريطة: ممر جديد من القوقاز إلى أوروبا يترك إسرائيل خارج اللعبة
كان المعبر الحدودي التركي أليجان المؤدي إلى أرمينيا مغلقًا طوال الـ32 عامًا الماضية، لكن وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، بدأت السلطات في الأسابيع الأخيرة بتركيب أنظمة لفحص جوازات السفر. وتأتي هذه الخطوة في إطار مسعى تركي لتموضع البلاد كمركز تجاري آمن للبضائع والطاقة، على خلفية التهديدات المتزايدة في مضيق هرمز والبحر الأحمر.
وقد كُشف عن المشروع، الذي يحمل اسم “مسار ترامب للسلام والازدهار الدولي” (TRIPP)، في البيت الأبيض في فبراير/شباط الماضي، إلى جانب اتفاق سلام أولي بين أرمينيا وأذربيجان. وقال دونالد ترامب آنذاك: “هذا شرف كبير لي.” وتهدف المبادرة إلى توسيع “الممر الأوسط”، وهو مسار بري يربط الصين بأوروبا عبر القوقاز وتركيا، ويختصر زمن الشحن مقارنة بالمسار البحري من 40 يومًا إلى ما بين 12 و15 يومًا فقط.
وقال الرئيس رجب طيب أردوغان الأسبوع الماضي: “تبرز تركيا كجزيرة من الاستقرار وكملاذ آمن.” وأضاف: “نحن نؤمن إيمانًا كاملًا بأن الأزمة العالمية ستفتح أبوابًا جديدة أمام دولتنا.”
ترامب والأذريون يتركون إسرائيل خارج الحسابات
الخطة الحالية، التي تحظى بدعم كامل من إدارة ترامب، تتناقض بصورة تامة مع ممر IMEC (الهند – الشرق الأوسط – أوروبا) الذي كانت قد روّجت له إدارة بايدن. ففي حين استندت الخطة السابقة إلى محور يمر عبر السعودية وإسرائيل، فإن مسار ترامب وأردوغان يتجاوز إسرائيل بالكامل. ويُعد ذلك تحولًا استراتيجيًا يفضّل فيه البيت الأبيض الحالي المحور التركي – القوقازي، مع تجاهل المركزية التي خُصصت لإسرائيل في الخطة الأصلية لإدارة بايدن.
وتستند الرؤية التركية إلى شريانين عملاقين: الأول هو “طريق التنمية”، الذي يهدف إلى ربط الخليج الفارسي بأوروبا عبر العراق. أما الثاني فهو مشروع TRIPP، بوصفه جزءًا من “الممر الأوسط”، والذي يخلق للمرة الأولى تواصلًا بريًا متصلًا من أذربيجان مرورًا بـأرمينيا وصولًا إلى الموانئ التركية. وبهذه الطريقة يمكن ضخ البضائع من الصين والطاقة من الخليج ومن بحر قزوين مباشرة إلى أوروبا، من دون الحاجة إلى نقل بحري مكلف.
ويكمن الفارق الجوهري في تغيير “مركز الثقل” في التجارة العالمية: ففي حين كان ممر IMEC الذي تبنته إدارة بايدن يهدف إلى ربط الهند والخليج بأوروبا عبر ميناء حيفا، فإن المسار التركي الذي يدفع به ترامب يركز على ربط الصين وآسيا الوسطى بالقارة الأوروبية. أما بالنسبة إلى الأوروبيين، فإن أذربيجان ليست مجرد محطة عبور، بل هي “البوابة” إلى احتياطيات الغاز والنفط الضخمة في بحر قزوين، بما يشكل بديلًا بالغ الأهمية للطاقة الروسية.
ومن النقاط المركزية في هذه المبادرة التعاون الوثيق بين أذربيجان وتركيا. ففي حين اعتُبرت أذربيجان خلال السنوات الأخيرة حليفًا قريبًا من إسرائيل، فإنها تعمل الآن بتنسيق كامل مع أردوغان، الذي يضع نفسه بوصفه الخصم الرئيسي للقدس في المنطقة. وقد بدأت شركات بناء تركية مقربة من أردوغان بالفعل العمل على الجانب الأذري من الحدود، ما يضع باكو في نقطة احتكاك بين التزامها تجاه إسرائيل وبين مصلحتها الاقتصادية والاستراتيجية مع تركيا.
التحديات: بنى تحتية قديمة… وسياسة معقدة
ورغم الزخم القائم، تشير فايننشال تايمز إلى أن مستقبل مشروع TRIPP يعتمد على السياسة بقدر ما يعتمد على الهندسة. وتذكّر الصحيفة بـ”ظل الماضي” الذي يرافق انخراط الرئيس الأمريكي في المنطقة: فآخر مرة منح فيها ترامب اسمه لمشروع في القوقاز كانت في “ترامب تاور” في باكو. غير أن ذلك المشروع انهار تحت وطأة اتهامات بالفساد ووجود صلات مع الحرس الثوري الإيراني، ولم يُفتتح قط.
وحتى اليوم، لا تزال العقبات كثيرة. فـروسيا، التي تخشى فقدان نفوذها في القوقاز، كانت قد هددت أرمينيا بالفعل بقطع إمدادات الغاز إذا واصلت توجيه مسارات تجارتها نحو أوروبا. وإضافة إلى ذلك، يعتمد هذا المسار على بنى تحتية حديدية قديمة وعلى عبّارات بطيئة في بحر قزوين. ويحذر خبراء واقتصاديون نقلت الصحيفة عنهم من أن فكرة أن تشكل المحاور البرية عبر تركيا بديلًا سريعًا للممرات البحرية في الخليج ليست سوى “حلم يقظة”.
من المهم التنويه أن موقع رِواق يحترم حقوق النشر ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المنشورات او الصور ومقاطع الفيديو أو غيره مما يصل الينا، وفي حال أنكم وجدتم أن لكم صورة او فيديو او منشورا تمتلكون حقوقا فيه، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة أو rwaqmedia@gmail.com حسب قانون 27 أ(סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים)



