آخر الأخباراسرائيليةعربية ودولية

هآرتس: أردوغان يريد إقناع الناتو أن إسرائيل هي “التهديد الأبرز” وتركيا أصل استراتيجي لا غنى عنه

اعتبارًا من يوم الثلاثاء، يستضيف «القصر الأبيض» الفخم، المجمع الرئاسي في العاصمة التركية أنقرة، أكبر حدث يشهده الموقع منذ افتتاحه على يد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عام 2014.

ومن المقرر أن تُعقد قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو» في القصر، الذي قُدّرت كلفة بنائه، عند تشييده، بأكثر من مليار دولار، فيما تُقدّر نفقات صيانته بمئات آلاف الدولارات شهريًا.

وستمثل القمة أيضًا محطة جديدة في الصعود اللافت للرئيس البالغ 72 عامًا. فقد بدأ حياته ببيع البطاقات البريدية ولفائف الخبز في شوارع حي بيوغلو الفقير في إسطنبول، قبل أن يقود تركيا، القوة الإقليمية، على مدى 23 عامًا متواصلة. ومن بين ضيوفه هذا الأسبوع 32 رئيس دولة أو حكومة، ونحو مئة وزير، وآلاف الصحفيين ورجال الأعمال والسياسيين.

ولن ينزعج الضيوف، على ما يبدو، من حقيقة أن الصرح الإمبراطوري الذي يستضيفهم شُيّد بصورة غير قانونية على أرض زراعية منحها مؤسس الجمهورية التركية، مصطفى كمال أتاتورك، للدولة. وكانت الأرض قد أُعلنت محمية طبيعية يُمنع البناء فيها. وحين أمر مجلس الدولة التركي، أعلى محكمة إدارية في البلاد، بوقف أعمال البناء، كان أردوغان قد مضى بالفعل في تقويض الجهاز القضائي.

وقال ساخرًا: «سنرى إن كانوا سيهدمون المبنى». وأضاف: «أمروا بوقف البناء، لكنهم لا يستطيعون إيقافه. سأفتتح القصر وسأنتقل إليه». وقد نفّذ وعده. غير أن السيطرة على القصر ليست كالسيطرة على الناتو.

فالحلف الذي انضمت إليه تركيا عام 1952، بوصفها جدارًا دفاعيًا شرقيًا في مواجهة التمدد السوفيتي، لا يزال ينظر بريبة إلى الزعيم التركي.

وكتب علي محمدوف، الباحث في شؤون تركيا والناتو، مؤخرًا على موقع «معهد الحرب الحديثة» التابع لوست بوينت: «عندما ترتفع تصورات التهديد، يعيد الحلفاء اكتشاف القيمة الاستراتيجية لتركيا؛ وعندما تنخفض، تعود المخاوف المتعلقة بهوية تركيا وموثوقيتها واتجاهها السياسي إلى الواجهة».

وتوجد أمثلة كثيرة على ذلك. ففي عام 1974 وقع الغزو التركي لقبرص، الذي أصبح محورًا لصراع طويل بين تركيا وأوروبا. ثم جاء رفض أنقرة السماح للولايات المتحدة باستخدام الأراضي التركية لشن هجومها على العراق عام 2003.

وبعد ذلك اشترت تركيا منظومات الدفاع الجوي الروسية «إس-400»، لتُعتبر بعدها تهديدًا أمنيًا لأعضاء الحلف. وحتى سقوط نظام الأسد في سوريا، كانت السياسة التركية هناك تتعارض أيضًا مع سياسة الولايات المتحدة والأوروبيين. ثم جاءت المناكفات مع الاتحاد الأوروبي بشأن قمع تركيا لحقوق الإنسان، وهو ملف أثار كذلك قلق الكونغرس الأمريكي.

في المقابل، ترتبط تركيا بعلاقات وثيقة مع كل من روسيا وأوكرانيا، ومع إيران والسعودية ودول الخليج الأخرى. وقد حولت سوريا إلى دولة تابعة لها سياسيًا وعسكريًا، كما تنخرط بعمق في الصراع الداخلي الليبي.

وتقدّم أنقرة نفسها لا بوصفها جسرًا بين الشرق والغرب فحسب، بل بوصفها دولة أساسية في تسوية الصراعات الإقليمية. وقد حظي أردوغان بإشادة واسعة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قال إنه «يقوم بعمل رائع» في سوريا، وسبق أن أثنى عليه لدوره في الوساطة للإفراج عن الرهائن الإسرائيليين في غزة.

وتُعد تركيا واحدة من الدول الرئيسية في دفع حل في غزة، كما تدير مفاوضات بين دول الخليج وإيران بشأن ترتيبات الملاحة في الخليج الفارسي. وهي تعرض نفسها اليوم بوصفها الذراع الأمنية الجديدة التي ستكون في خدمة الدول الأوروبية وهي تنشئ تحالفًا عسكريًا في مواجهة التهديد الروسي، بدل اعتمادها الحصري على الولايات المتحدة.

كما تعرض تركيا هذا «التحرر» من التبعية على دول الخليج التي خاب أملها من سياسة ترامب تجاه إيران. ويتحقق ذلك عبر تطوير العقيدة التي صاغها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الذي ابتكر مصطلح «ملكية الأمن»، ويقصد به إقامة محور سياسي وعسكري عربي-تركي-باكستاني قادر على مواجهة التهديدات العسكرية بمفرده.

وتُسمع في تركيا أيضًا أصوات، ولا سيما من التيار القومي اليميني، تدعو أردوغان إلى مغادرة حلف الناتو وصوغ استراتيجية مستقلة بالتعاون مع دول المنطقة.

لكن ما يستطيع أردوغان عرضه على الدول غير الأعضاء في الناتو، يحرص على عدم تبنيه هو نفسه. فما زال يرى في استمرار شراكة تركيا داخل الحلف عنصرًا حيويًا في المعادلة التي تحدد هويتها الاستراتيجية بوصفها دولة قادرة على تحقيق استقلال سياسي لنفسها.

ومن وجهة نظره، فإن قدرة تركيا تحديدًا على فرض شروطها على الناتو، كما فعلت عندما أمْلت شروط انضمام السويد وفنلندا إلى الحلف، مع الحفاظ في الوقت ذاته على علاقات قوية مع روسيا، هي ما يمنحها أوراق ضغط لا تضاهيها فيها أي دولة عضو أخرى.

وتكمن المفارقة في أن تركيا، حتى ضمن هذا الإطار من «الاستقلال»، ما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على الصناعات الدفاعية الأمريكية. وهي تأمل أن يوافق الكونغرس الأمريكي على بيعها مقاتلات «إف-35»، وأن يعيدها إلى مشروع تطوير الطائرات الذي طُردت منه بعد شرائها الصواريخ الروسية المضادة للطائرات، وأن يزوّدها أيضًا بمحركات الطائرات اللازمة لاستكمال برنامج تطوير مقاتلتها الشبحية «قآن».

ورغم أن دول الناتو تدرك القيمة العسكرية لتركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيش في المنظمة، وتنظر إليها بوصفها موردًا محتملًا مهمًا للمعدات والأسلحة العسكرية المتقدمة، وللجنود القادرين على تعزيز الانتشار العسكري للحلف، فإن قرب تركيا من جبهة الشرق الأوسط المتقلبة وانخراطها في صراعات المنطقة يجعلانها دولة مرتفعة المخاطر، قد تجر الناتو إلى ساحات لم تكن ضمن خريطته الاستراتيجية الأصلية.

وقال دبلوماسي أوروبي تعامل سنوات مع العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي لصحيفة «هآرتس»: «تركيا دولة قوية ومهمة، وتضيف وزنًا كبيرًا إلى قوة الحلف، لكن على المنظمة أن تعيد النظر باستمرار في وزن هذا الأصل مقابل الأخطار التي قد يشكلها عليها».

وأضاف: «تركيا مرتبطة بالفعل بدول المنطقة، لكن يصعب الإشارة إلى نزاع وطني أو دولي نجحت في حله. حتى الآن، وبينما تخوض الولايات المتحدة وإيران حوارًا معقدًا لإنهاء الحرب، تبدو دول صغيرة نسبيًا مثل قطر وباكستان صاحبة نفوذ أكبر على إيران من تركيا. ربما تكمن مشكلة تركيا في أنها تحاول الرقص في أعراس كثيرة جدًا».

أما «العرس» الرئيسي الذي سيحاول أردوغان تسويقه لضيوفه فهو الشرق الأوسط؛ الساحة التي يستطيع من خلالها أيضًا تجنيد الرئيس ترامب، الذي سئم غياب التعاون من دول الحلف في الحرب ضد إيران.

وقال معلّق تركي يكتب في صحيفة موالية للحكومة لـ«هآرتس»: «إذا لم يرغب الناتو في المجيء إلى الشرق الأوسط، فسيوضح أردوغان لهم أن الشرق الأوسط سيأتي إليهم».

وأضاف: «لا توجد دولة، في الناتو أو خارجه، لا تتأثر بما يجري في الشرق الأوسط. كان هذا هو الحال حين اعتقدت الدول الأوروبية أن تنظيم داعش لن يصل إليها، وأن لاجئي الحرب الأهلية السورية لن يغمروا القارة، وأن الملف النووي الإيراني مشكلة إسرائيلية، وأن ما يحدث الآن في الخليج الفارسي مشكلة أمريكية».

وتابع أن تركيا تمثل الشرق الأوسط داخل الناتو، وأنها ستحدد كذلك موقف المنظمة من إسرائيل، «التي تبيّن أنها العامل الرئيسي في إشعال الصراعات ووضع عقبات ثقيلة في طريق حلها».

ولا يقتصر هذا التوجه على موقف مراقب أو معلّق، فقد قال مسؤول كبير في حزب العدالة والتنمية الحاكم، معني بالشأن الخارجي التركي، لـ«هآرتس»، إن وثيقة تتداولها وزارة الخارجية التركية منذ عدة أشهر تتناول تراجع مكانة إسرائيل الإقليمية، والفرص التي يتيحها ذلك لتركيا.

ولا يقتصر الأمر، بحسب المسؤول، على تآكل العلاقة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس ترامب، أو على إدراك دول الخليج والدول العربية عمومًا أن إسرائيل تتحمل المسؤولية الرئيسية عن العقدة غير المحلولة التي نشأت في مضيق هرمز، وعن التحول الاستراتيجي في مكانة إيران، وعن الساحات المشتعلة في لبنان وسوريا.

وقال المصدر: «خلصنا إلى أننا لم نعد نتنافس مع إسرائيل على النفوذ في البيت الأبيض أو في دول المنطقة. لقد ترسخت مكانة إسرائيل بوصفها تهديدًا، والسؤال بالنسبة إلى تركيا هو كيف نترجم هذه الحقيقة إلى إنجازات سياسية ملموسة».

وأضاف: «أنصحك بأن تصغي جيدًا إلى ما سيقوله أردوغان في قمة الناتو؛ فذلك سيكون خريطة طريق تركيا للسنوات المقبلة».

المصدر: هآرتس – مقال تحليلي كتبه تسفي باريل

من المهم التنويه أن موقع رِواق يحترم حقوق النشر ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المنشورات او الصور ومقاطع الفيديو أو غيره مما يصل الينا، وفي حال أنكم وجدتم أن لكم صورة او فيديو او منشورا تمتلكون حقوقا فيه، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة أو rwaqmedia@gmail.com حسب قانون 27 أ(סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *