أم الفحم بين حرائق “المناخ” ولهيب “الضرائب”.. هل يدرك الرئيس أي نيران تشتعل أولاً؟
أنس موسى – صحفي ومدير موقع رِواق
في الوقت الذي تتباهى فيه إدارة البلدية بخططها البيئية الاستباقية لعام 2030، وتخصيص ملايين الشواقل لمكافحة الحرائق وحماية الغابات، وهو أمر لا يقلّ أهمية عن غيره بالتأكيد، لكن ثمة “حريق من نوع آخر” يشتعل في قلب الحيز الفحماوي؛ حريق وقوده الإحباط، الغلاء، والضغط الضريبي المتواصل. الشارع الفحماوي اليوم يغلي، ليس بسبب شمس تموز الحارقة، بل بفعل حمى الضرائب التي تلاحق لقمة عيش المواطن والتاجر على حد سواء.
أبرز الضرائب التي تم تناولها في الفترة الأخيرة وتشهد ضجة واسعة حولها هي: ارتفاع نسبة ضريبة الأرنونا، ضريبة اللافتات والملصقات، ضريبة النفايات الزائدة، وضريبة الحراسة.
الخدمات كـ “حق” أم المواطن كـ “زبون”؟
تسجيل أم الفحم كواحدة من البلديات التي تطالب بخمس زيادات لضريبة الأرنونا خلال السنوات الثماني الأخيرة، حيث تم فرض نسبة إضافية جديدة بلغت حوالي 5% خلال جلسة البلدية الأخيرة (1.5% بقرار من البلدية + 3.5% من وزارة الداخلية)، يضعنا أمام تساؤل بنيوي حاد يمس جوهر العقد الاجتماعي بين المواطن والسلطة المحلية.
هذا التطور المقلق، الذي كشف عنه بيان عضو البلدية المحامي أحمد خليفة، يطرح علامة استفهام كبرى: هل تحولت البلدية إلى مؤسسة “رأسمالية متطرفة” تنظر إلى الفحماوي كـ “زبون مجبر على الدفع” لتغطية التزاماتها، بدلاً من كونه مواطناً يستحق خدمات حقيقية ونوعية توازي ما يدفعه من أموال؟ خاصة وأنه لم يتضح للجمهور ما هو المبرر القانوني أو الخدماتي لهذه الإضافة، وما هو التجديد في الخدمات المقابلة التي تستحق هذه الزيادة.
من حق الشارع الفحماوي اليوم الحصول على إجابات شافية، دقيقة وشفافة حول التساؤلات المشروعة التي أثارها بيان المعارضة: أين تذهب هذه الأموال فعلياً؟ وهل تُدفع هذه الضرائب والرسوم المستحدثة لتغطية عجز مالي متراكم تفاقم ليصل إلى حوالي 110 ملايين شاقل (شامل القروض) نتيجة لسياسات إدارية غير مدروسة، كملف مكبات النفايات والبطالة المقنعة وتوظيف من لا حاجة لهم لاعتبارات محسوبية؟
حرب “اليافطات” وسلاح الحجوزات البنكية
هذا الضغط المالي يتبدى بوضوح في المشهد الاحتجاجي المتصاعد خلال الأسابيع الأخيرة لأصحاب المحلات والمصالح التجارية الذين يواجهون أصلا ظروفاً اقتصادية خانقة في ظل أزمات مركبة تعصف بالمجتمع ككل. وتصل المأساة والغرابة في سياسة الجباية الحالية إلى ملاحقة أصحاب المحلات بفرض رسوم حتى على “لاصقات حجب الشمس” المثبتة على أبواب ونوافذ محلاتهم، لتصل قيمتها إلى مبالغ تفوق سعر اليافطة نفسها! ، ناهيك عن ضريبة الأرنونا للمحلات التجارية التي قفزت لتصبح 95 شيكلاً للمتر المربع الواحد.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الرسوم المرتفعة، بل انتقل إلى مرحلة “الخنق المالي والمصادرة”؛ حيث تفاجأ العديد من أصحاب المصالح مؤخراً بفرض حجوزات مباشرة ومفاجئة على حساباتهم البنكية من قِبل شركة الجباية التابعة للبلدية بسبب ديون الأرنونا واللافتات.
هذا الإجراء القاسي، الذي دفع بعضو البلدية أدهم جبارين إلى تقديم استجواب رسمي وصارم لرئاسة البلدية، تسبب في شل الحركة التجارية تماماً، وتدمير السمعة الائتمانية لكثير من المحلات، وإعاقة المعاملات المالية الحيوية للتجّار.
وهنا يبرز التساؤل القانوني والأخلاقي الذي طرحه جبارين في استجوابه: أين هي الإنذارات المسبقة والمُسجلة؟ وأين هي الآليات الودية والتسهيلات المرنة وقنوات التقسيط المُيسر التي كان يجب على قسم الجباية تفعيلها كبديل أولي وإلزامي قبل اللجوء لسلاح الحجوزات المدمر؟
وأمام هذه الممارسات الشرسة، تبرز مقارنة جغرافية حارقة يطرحها التجار، فلماذا يرى التاجر الفحماوي جيرانه في البلدات العربية المجاورة معفيين تماماً من هذه الرسوم المرهقة والمبتكرة، بينما تصر بلديته على تضييق الخناق عليه ودفعه نحو حافة الإفلاس أو التخلي عن طموحه التجاري؟ لا تقل لي انظر الى تل ابيب أو حيفا او حتى الخضيرة او العفولة ، لنكن واقعيين بأن إقبال المتسوّقين من خارج المدينة لا يزال ضعيفا مقارنة بغيرها من بلدات عربية وبالتالي فإن الحال الاقتصادي ليس في أفضل أحواله حتى يتم ملاحقة المحلات بضرائب حارقة.
هذا الواقع يعكس حالة واضحة من “الغطرسة الإدارية” وسياسة الآذان الصمّاء إزاء صوت وصرخة المواطن الفحماوي. إن اتساع الهوة وغياب لغة الحوار الحقيقي مع التجار، الذين يهددون اليوم بخطوات تصعيدية تشمل الإضرابات، الاعتصامات داخل مبنى البلدية، وفك اليافطات وإهدائها للأعضاء كرسالة احتجاجية ساخرة، يتزامن مع سلوك إداري يقمع الرأي الآخر داخل الجلسات الرسمية للمجلس البلدي (بحسب ما ذكر المحامي أحمد خليفة)، حيث تُقاطع الأصوات المعارضة ويُحرم أصحابها من حق الكلام الدستوري.
هذا الإصرار على تغييب النقد وصوت الشارع لا يمكن أن يؤدي إلا إلى انفجار واحتقان حتمي. وحقيقةً، لا أدري ماذا يفعل 15 عضواً من الائتلاف يمثلون الإدارة أمام هذا المشهد؟ أليسوا من سكّان هذه المدينة ويعيشون بين أهلها وعائلاتها ومحلاتها؟ ألا يشعرون ويسمعون صوت الألم ونبض الشارع الرافض لسياسات الجباية الجائرة والحجوزات العشوائية؟
ختاماً أقول، إن تبريد الأجواء وحماية الغابات من الحرائق خطوة مباركة، ولكنها تفقد معناها تماماً إذا احترق صمود الناس وجمر اقتصادهم تحت وطأة الجباية المجحفة والحجوزات البنكية التعسفية.
على الرئيس والإدارة أن يدركوا أن “الحصانة المجتمعية” تبدأ من شعور المواطن بالأمان الاقتصادي والكرامة، لا من جيوب فارغة تُطالب بدفع ثمن عجز إداري لا يد للمواطن فيه.
أنصتوا لصوت الشارع، وعلقوا هذه الحجوزات العشوائية، وافتحوا باب الحوار والتسويات المرنة قبل أن تنفجر لغة الاحتجاج التي لوّح بها التجار؛ فحرائق البيئة تطفئها المياه، أما حرائق الغضب والظلم الاقتصادي فلا تخمدها الوعود.
من المهم التنويه أن موقع رِواق يحترم حقوق النشر ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المنشورات او الصور ومقاطع الفيديو أو غيره مما يصل الينا، وفي حال أنكم وجدتم أن لكم صورة او فيديو او منشورا تمتلكون حقوقا فيه، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة أو rwaqmedia@gmail.com حسب قانون 27 أ(סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים)



