تقرير رواق: على حافة الانفجار.. كل ما تريد معرفته عن الهجوم الأمريكي القريب على منشآت الطاقة في إيران والرد الذي قد يطال الخليج وإسرائيل

خاص – رواق
تقترب المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران من منعطف قد يكون الأكثر خطورة منذ اندلاع الحرب، بعد تقارير أميركية وعبرية تحدثت عن استعداد واشنطن وتل أبيب لتنفيذ حملة جوية واسعة ضد منشآت الطاقة الإيرانية، في مقابل تهديد طهران بتوسيع ردها ليشمل البنى التحتية الحيوية داخل إسرائيل ومنشآت الطاقة المرتبطة بالمصالح الأميركية في مختلف أنحاء المنطقة.
ولا تتعلق الخطط المتداولة بضرب قواعد عسكرية أو منصات صواريخ فقط، بل باستهداف قطاعات تمس الحياة اليومية والاقتصاد الإيرانيين بصورة مباشرة، وفي مقدمتها محطات توليد الكهرباء والمصافي ومرافق الطاقة. وهذا التحول، إذا نُفذ، قد ينقل الحرب إلى مستوى جديد تصبح فيه شبكات الكهرباء وإنتاج الغاز وتكرير النفط والموانئ وخطوط الملاحة أدوات ضغط متبادل بين الأطراف المتحاربة.
وبحسب مصادر متعددة تحدثت إلى شبكة «سي بي إس نيوز»، تستعد الولايات المتحدة وإسرائيل لما وصف بأنه قد يكون إحدى أقسى حملات القصف التي تعرضت لها منشآت الطاقة الإيرانية منذ بداية الحرب، مع احتمال تنفيذ الضربات خلال عطلة نهاية الأسبوع الممتدة في الولايات المتحدة حتى يوم الأحد. وقالت المصادر إن نقاشا جرى بشأن محاولة إنهاء الحملة قبل افتتاح الأسواق المالية صباح الاثنين، خشية أن تؤدي الضربات والرد الإيراني المتوقع إلى اضطرابات حادة في أسعار الطاقة والأسواق الأميركية والعالمية.
غير أن بدء الهجوم لم يكن، حتى صباح السبت 1 أغسطس/آب 2026، أمرا محسوما بصورة نهائية. فبينما نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أميركيين أن الرئيس دونالد ترامب وافق على خطة جديدة لتنفيذ ضربات ضد إيران، قال مسؤول أميركي لموقع «أكسيوس» إن ترامب يدرس بجدية مهاجمة أهداف للطاقة خلال الأيام القليلة المقبلة، لكنه لم يصدر بعد أوامر نهائية بتنفيذ هذا النوع من الضربات. وأشارت التقارير إلى أن أي تقدم دبلوماسي سريع قد يدفعه إلى تعليق الخطة أو تغييرها.
ويمثل هذا التباين مؤشرا إلى أن القرار السياسي النهائي قد يظل قابلا للتعديل حتى اللحظات الأخيرة، وأن واشنطن ربما تستخدم التهديد بحملة واسعة على قطاع الطاقة أداة ضغط في المفاوضات، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن جميع الأهداف المقترحة ستتعرض للهجوم.
خطة نوقشت في كامب ديفيد
أفادت التقارير بأن الخيارات العسكرية الجديدة نوقشت خلال اجتماع للحكومة الأميركية عقده ترامب، الجمعة، في منتجع كامب ديفيد، بحضور كبار المسؤولين في إدارته. وقال الرئيس الأميركي خلال الاجتماع إن الولايات المتحدة ستواصل ضرب إيران «بقوة شديدة»، معربا عن اعتقاده بأن الضغوط العسكرية المتراكمة ستجعل طهران تقول في نهاية المطاف إنها لم تعد قادرة على تحمل المزيد.
واتهم ترامب الإيرانيين بالتراجع عن تعهداتهم وعدم الصدق خلال المفاوضات، مشيرا بصورة خاصة إلى الهجوم الصاروخي المفاجئ الذي استهدف قوات أميركية في الأردن أثناء إجراء اتصالات دبلوماسية. وقال إن اتصالاته بفريق التفاوض تزامنت مع تلقيه معلومات من وزير الدفاع بيت هيغسيث بشأن إطلاق إيران صواريخ على إحدى القواعد الأميركية.
وتشير هذه التصريحات إلى أن الإدارة الأميركية تنظر إلى الحملة المحتملة باعتبارها وسيلة لإعادة فرض الردع بعد الهجمات الإيرانية على القوات الأميركية والملاحة في مضيق هرمز، وفي الوقت نفسه وسيلة لإجبار طهران على قبول الشروط الأميركية في المفاوضات المتعلقة بوقف إطلاق النار والبرنامج النووي وحرية الملاحة.
وبحسب «أكسيوس»، ترى الإدارة الأميركية أن استهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية يمكن أن يرفع الكلفة الاقتصادية الداخلية للحرب على إيران، ويضغط على قيادتها لتقديم تنازلات. لكن عددا من المسؤولين والمستشارين داخل الإدارة أبدوا مخاوف من أن تقود الحملة إلى ردود إيرانية أوسع من المتوقع، ولا سيما بعد أن أظهرت طهران استعدادا متزايدا لنقل القتال إلى القواعد الأميركية ودول الخليج والممرات البحرية.
كما نقلت «وول ستريت جورنال» أن استمرار الحملة العسكرية يواجه تحديات مرتبطة بمخزون الذخائر والقدرة على المحافظة على وتيرة عالية من الضربات والدفاع في وقت واحد عن القوات والقواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة. ولذلك يدور النقاش داخل واشنطن بين مؤيدين لهجوم قصير وشديد، وآخرين يفضلون حملة تمتد عدة أيام أو أسبوعين بهدف إحداث أضرار أعمق في القدرات الإيرانية.
ماذا سيكون دور إسرائيل؟
ذكرت «سي بي إس» أن إسرائيل أُبلغت بالخطط الأميركية، وأن تنسيقا عسكريا يجري بينها وبين الولايات المتحدة. وإذا شاركت إسرائيل بالفعل، فسيعني ذلك عودتها إلى العمليات المباشرة الواسعة ضد إيران بعد فترة امتنعت خلالها عن الانخراط الكامل في الجولة الأخيرة من القتال بين واشنطن وطهران.
لكن الرواية ليست موحدة. فقد نقلت صحيفة «جيروزاليم بوست» عن مسؤول إسرائيلي نفيه علم إسرائيل بقرار نهائي لاستئناف العمليات العسكرية الشاملة، مؤكدا أن تل أبيب لم تتلق طلبا رسميا للمشاركة في هجوم جديد. كما تحدثت تقارير أخرى عن عدم وجود مؤشر نهائي إلى أن إسرائيل ستشارك في الضربات الأميركية، حتى لو كانت على علم بالخطط والاستعدادات.
ويحتمل أن يكون هذا النفي جزءا من الغموض العملياتي الذي يسبق أي هجوم، لكنه قد يعكس أيضا خلافا حقيقيا بين واشنطن وتل أبيب حول توقيت العملية وحجمها والأهداف التي ستشملها. كما أن إبلاغ إسرائيل بخطة أميركية لا يعني بالضرورة أنها ستشارك بطائراتها أو صواريخها؛ إذ يمكن أن يقتصر دورها على توفير معلومات استخبارية أو مراقبة تحركات الصواريخ الإيرانية أو الاستعداد لاعتراض الرد المتوقع.
وسبق أن تعرضت إسرائيل لهجمات صاروخية ومسيرات إيرانية استهدفت منشآت حيوية ومناطق سكنية ومواقع للطاقة، ولذلك فإن أي عودة إسرائيلية إلى قصف إيران ستجعل الجبهة الداخلية الإسرائيلية هدفا مباشرا ومعلنا للرد.
وقد أبقت الحكومة الإسرائيلية حالة الطوارئ الخاصة في الجبهة الداخلية سارية حتى 11 أغسطس/آب، بسبب عدم اليقين المتعلق بالجبهتين الإيرانية واللبنانية، بما يمنح قيادة الجبهة الداخلية صلاحيات واسعة لتغيير التعليمات المتعلقة بالتجمعات والعمل والتعليم وفتح المؤسسات. لكن السلطات الإسرائيلية لم تعلن، حتى وقت إعداد التقرير، تغييرا شاملا جديدا في تعليمات السكان مرتبطا حصرا بالتقارير عن الحملة المرتقبة.
محطات الكهرباء والمصافي في دائرة الاستهداف
وفقا للمصادر التي تحدثت إلى «سي بي إس»، تشمل قائمة الأهداف المحتملة محطات توليد الكهرباء والمصافي الإيرانية، في تحول واضح عن الضربات التي ركزت خلال مراحل سابقة على الدفاعات الجوية ومنشآت الصواريخ والمسيرات ومراكز القيادة والمواقع الساحلية التابعة للحرس الثوري.
وأفادت قيادة المنطقة المركزية الأميركية خلال الجولات السابقة بأنها هاجمت مراكز قيادة وقدرات بحرية ومستودعات للصواريخ والمسيرات ومواقع مراقبة ساحلية ومنظومات دفاع جوي. أما الانتقال إلى منشآت الطاقة المدنية أو مزدوجة الاستخدام، فيعني أن الهدف لم يعد إضعاف القوات الإيرانية فقط، بل التأثير في قدرة الدولة على تشغيل اقتصادها وإدارة المدن والصناعة والنقل.
وقد يؤدي استهداف محطات الكهرباء إلى انقطاعات واسعة لا تتوقف آثارها عند المنازل، بل تمتد إلى المستشفيات وشبكات المياه والاتصالات والمصانع ومحطات الوقود والنقل. أما ضرب المصافي فيمكن أن يحد من قدرة إيران على تزويد السوق الداخلية بالبنزين والديزل، حتى لو استمرت في استخراج النفط الخام من الحقول.
ومن الناحية العسكرية، قد تقول واشنطن إن شبكة الكهرباء ومصافي الوقود تسهم في تشغيل المنشآت العسكرية والقواعد ومصانع الصواريخ. لكن ارتباط الشبكة نفسها بحاجات عشرات الملايين من المدنيين يجعل أي حملة واسعة عليها موضع جدل قانوني وإنساني كبير.
ويؤكد القانون الدولي الإنساني أن المنشآت المدنية لا يجوز استهدافها إلا إذا أصبحت أهدافا عسكرية وفق معايير محددة، وأن المنشآت مزدوجة الاستخدام لا تفقد حمايتها تلقائيا. وحتى عندما تحقق منشأة ما شروط الهدف العسكري، يتعين على الطرف المهاجم تقييم الضرر المتوقع على المدنيين، واتخاذ الاحتياطات الممكنة وتقليل الأضرار، وعدم تنفيذ هجوم تكون خسائره المدنية المتوقعة مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المباشرة والملموسة.
طهران: استهداف الطاقة سيكون «ضربا من الجنون»
جاء الرد الإيراني سريعا، إذ نقلت وكالة «تسنيم» المقربة من الحرس الثوري عن مسؤول أمني إيراني كبير قوله إن مهاجمة البنية التحتية الإيرانية ستكون «عملا من أعمال الجنون»، وإن طهران وضعت خطة شاملة للرد على أي هجوم أميركي أو إسرائيلي جديد.
وقال المسؤول إن الخطة تشمل ضرب «البنى التحتية الحيوية للكيان الصهيوني» و«منشآت الطاقة الأميركية في المنطقة»، مؤكدا أن القوات الإيرانية مستعدة لتنفيذها. ولم يقدم المسؤول تعريفا دقيقا للمنشآت الأميركية المقصودة، وما إذا كان الحديث يدور عن منشآت تملكها شركات أميركية، أو مواقع توفر الطاقة للقوات الأميركية، أو مرافق نفط وغاز في دول حليفة لواشنطن.
ونشرت وكالة «فارس» الإيرانية قائمة قالت إنها تضم بعض أهم منشآت الطاقة الواقعة في مدى الصواريخ الإيرانية. وشملت القائمة حقلي الغاز الإسرائيليين تمار وليفياثان، إلى جانب مرافق نفط وغاز في السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين. وجاءت الرسالة الإيرانية بصيغة تهدف إلى إظهار أن ضرب شبكة الطاقة الإيرانية لن يبقى محصورا داخل حدود إيران، بل سيعرض بنية الطاقة الإقليمية برمتها للخطر.
ولا يعني إدراج هذه المنشآت في وسائل إعلام إيرانية أن قرارا صدر بمهاجمتها جميعا، لكنه يمثل تهديدا علنيا ومقصودا، ويضع حكومات المنطقة وشركات الطاقة أمام احتمال أن تتحول منشآتها إلى أهداف في حرب لم تتخذ معظمها قرارا رسميا بالانضمام إليها.
كما تهدف طهران من نشر قائمة واسعة للأهداف إلى ردع دول الخليج عن السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها أو قواعدها في أي حملة جديدة، وإلى دفع هذه الدول للضغط على واشنطن من أجل منع ضرب منشآت الطاقة الإيرانية.
تمار وليفياثان.. قلب الكهرباء والغاز في إسرائيل
يحمل التهديد الإيراني لحقلي تمار وليفياثان أهمية خاصة بالنسبة إلى إسرائيل، لأن الغاز الطبيعي يوفر نحو 74 في المئة من مزيج إنتاج الكهرباء الإسرائيلي، وفق بيانات سلطة الغاز الطبيعي التابعة لوزارة الطاقة. وأي توقف طويل في الإنتاج البحري قد يجبر إسرائيل على زيادة استخدام الفحم والديزل والوقود الاحتياطي، ويرفع كلفة إنتاج الكهرباء ويضغط على احتياطاتها.
ويعد ليفياثان أكبر حقل غاز إسرائيلي وأحد أكبر الحقول المنتجة في شرق البحر المتوسط، ويزود مستهلكين في إسرائيل ومصر والأردن. كما تدير شركة «شيفرون» الأميركية حقلي تمار وليفياثان، وهو ما يضفي بعدا إضافيا على تهديد إيران باستهداف منشآت طاقة ذات مصالح أميركية مباشرة.
أما حقل تمار، فقد رفعت «شيفرون» قدرته الإنتاجية خلال عام 2026، ضمن مشروعات هدفت إلى تعزيز مرونة منظومة الغاز البحرية. ويعني ذلك أن الحقلين لا يمثلان مجرد أصلين اقتصاديين، بل عنصرين أساسيين في أمن الطاقة الإسرائيلي وفي تدفقات الغاز إلى مصر والأردن.
ومن شأن تعرض إحدى منصات الإنتاج أو خطوط الأنابيب أو مرافق الاستقبال الساحلية لضربة مؤثرة أن يدفع السلطات الإسرائيلية إلى وقف الإنتاج احترازيا، حتى لو لم تتعرض المنصة نفسها لأضرار جسيمة. وسبق أن أوقفت إسرائيل صادرات الغاز أو قلصتها خلال فترات التصعيد، ما تسبب في ضغوط على مصر التي تعتمد على جزء من الغاز الإسرائيلي لتشغيل محطات الكهرباء والصناعة.
ولا يتوقف الخطر عند إسرائيل؛ إذ إن انخفاض تدفقات الغاز إلى مصر قد يؤدي إلى زيادة الطلب المصري على الغاز الطبيعي المسال والوقود البديل، ورفع الأسعار في الأسواق العالمية، خصوصا في فترات ذروة استهلاك الكهرباء الصيفي. كما أن انقطاع الإمدادات إلى الأردن قد يضغط على قطاع الكهرباء هناك.
إيران تستند إلى سوابق مؤلمة في الخليج
لا تبدو التهديدات الإيرانية منفصلة عن أحداث سابقة خلال الحرب. فقد أدى قصف إسرائيلي لمنشآت حقل جنوب فارس الإيراني ومركز المعالجة في عسلوية في مارس/آذار إلى انتقال المواجهة نحو قطاع الطاقة الإقليمي، حيث تعرضت لاحقا مصاف ومحطات غاز وموانئ تصدير في السعودية والكويت وقطر والإمارات والبحرين لهجمات أو تعطيلات.
ووفقا لخريطة أعدتها «رويترز» لتطور حرب الطاقة، تعرضت منشآت غاز طبيعي مسال ومصاف وموانئ لهجمات بالصواريخ والمسيرات، بينما أوقفت مرافق أخرى عملياتها احترازيا بسبب التهديدات أو سقوط شظايا الصواريخ الاعتراضية. كما أعلنت البحرين حالة القوة القاهرة بعد استهداف مصفاة سترة، وخفض العراق إنتاج عدد من حقوله بسبب اضطرابات التصدير والتخزين.
وألحقت الضربات الإيرانية أضرارا كبيرة بمنشآت الغاز الطبيعي المسال في قطر، إذ قال الرئيس التنفيذي لشركة قطر للطاقة إن الهجمات أخرجت نحو سدس طاقة البلاد التصديرية للغاز المسال من الخدمة، وإن إصلاح الأضرار قد يستغرق ما بين ثلاثة وخمسة أعوام. وهذه السابقة تمنح التهديد الإيراني الحالي قدرا من المصداقية، لأنها تظهر أن طهران مستعدة بالفعل لضرب أصول طاقة ضخمة خارج حدودها عندما ترى أن منشآتها تعرضت للهجوم.
كما سبق للجيش الإيراني أن أعلن أن استهداف قطاع الطاقة في بلاده أدخل الحرب في «مرحلة جديدة»، متوعدا بمواصلة ضرب منشآت الطاقة المرتبطة بالولايات المتحدة وحلفائها إذا تكررت الهجمات.
ومن هنا، فإن حملة أميركية إسرائيلية جديدة على محطات الكهرباء والمصافي الإيرانية قد تدفع طهران إلى تطبيق مبدأ الرد بالمثل، ليس عبر استهداف منشأة واحدة فقط، بل من خلال توزيع الهجمات على عدد من الدول والقواعد والموانئ لإغراق منظومات الدفاع الجوي وإحداث اضطراب واسع في أسواق الطاقة.
مضيق هرمز في قلب المعركة
يتزامن التصعيد مع استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز، الذي تمر عبره في الظروف الطبيعية نحو خمس شحنات الطاقة العالمية. وقال الحرس الثوري إنه ضرب ناقلتين حاولتا المرور عبر المضيق وأجبر أربع ناقلات أخرى على تغيير مسارها، لكن «رويترز» أشارت إلى أن هذه الرواية لم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة.
كما أعلنت هيئة إيرانية مسؤولة عن إدارة الملاحة في المضيق أن العبور لا يزال متعذرا بسبب ما وصفته بالأعمال العسكرية الأميركية، في حين تقول واشنطن إنها تسعى إلى ضمان حرية الملاحة ومنع إيران من فرض شروط أو رسوم على السفن العابرة.
وبحسب بيانات نقلتها «رويترز»، استطاعت ناقلات وسفن محدودة عبور المضيق، بينما ظلت غالبية شركات الشحن مترددة بسبب مخاطر الصواريخ والمسيرات والألغام والاحتجاز. وقد ساهمت هذه المخاوف في ارتفاع أسعار النفط بأكثر من واحد في المئة يوم الجمعة، فيما كان خام برنت يتجه إلى تسجيل ارتفاع بنحو 23 في المئة خلال يوليو/تموز وحده.
وأعلن ترامب في وقت سابق أن كل هجوم إيراني جديد على سفينة في مضيق هرمز سيقابله تدمير جسر أو محطة كهرباء داخل إيران، بما في ذلك منشآت قرب طهران. وردت مصادر عسكرية إيرانية بأن أي ضربة للجسور أو محطات الطاقة الإيرانية ستقابل بضرب جسور وبنى تحتية ومنشآت طاقة ذات مصالح أميركية في أنحاء المنطقة.
وهكذا أصبحت الملاحة والطاقة مرتبطتين بصورة مباشرة: فالولايات المتحدة تهدد بضرب الكهرباء الإيرانية لوقف الهجمات على السفن، وإيران تهدد بتوسيع الحرب على الطاقة لمنع واشنطن من كسر سيطرتها على المضيق.
باب المندب والجبهة الحوثية
لا يقتصر التهديد على مضيق هرمز. فقد نقلت «رويترز» عن مصادر إيرانية وإقليمية أن طهران طلبت من الحوثيين الاستعداد لإغلاق طريق النفط في البحر الأحمر إذا استهدفت الولايات المتحدة شبكة الكهرباء الإيرانية.
وقال مصدر قريب من الحوثيين إن الجماعة نشرت صواريخ ومسيرات في مناطق مطلة على الحديدة وخليج عدن، وإنها مستعدة لمهاجمة السفن قرب باب المندب عند صدور الأمر. وإذا تعطلت الملاحة في هرمز وباب المندب في الوقت نفسه، فستتعرض أهم طرق تصدير النفط والغاز في الشرق الأوسط لضغط غير مسبوق.
وقد حولت السعودية نسبة كبيرة من صادراتها إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بعد اضطراب الملاحة في هرمز. ولذلك فإن استهداف خط الأنابيب السعودي الممتد من الشرق إلى الغرب، أو منشآت ينبع، أو السفن المتجهة شمالا نحو قناة السويس، سيقوض البديل الرئيسي الذي تستخدمه الرياض لتجاوز المضيق.
وتمثل هذه الاستراتيجية جزءا من محاولة إيران رفع الكلفة الاقتصادية للحرب على الولايات المتحدة، إذ تدرك طهران أن ارتفاع أسعار النفط والبنزين والشحن والتأمين يمكن أن يتحول إلى ضغط سياسي داخلي على الإدارة الأميركية، خصوصا مع اقتراب الانتخابات النصفية.
منشآت الخليج بين التهديد الإيراني والحماية الأميركية
تضم دول الخليج قواعد أميركية ومراكز قيادة ومطارات عسكرية وموانئ ومنشآت نفط وغاز تديرها شركات محلية ودولية، ما يجعل الفصل بين «الهدف الأميركي» و«الهدف الخليجي» أمرا صعبا في بعض الحالات.
وقد استهدفت إيران خلال الأسابيع الماضية قواعد ومرافق عسكرية أميركية في الكويت والبحرين والأردن والعراق، بينما أعلنت الكويت اعتراض مسيرات إيرانية وسقوط حطام تسبب في أضرار مادية من دون خسائر بشرية. كما قالت طهران إن الهجمات جاءت ردا على ضربات أميركية داخل إيران.
وتحاول إيران من خلال تهديد منشآت الطاقة إجبار حكومات الخليج على الاختيار بين استمرار التعاون العسكري مع واشنطن وحماية اقتصاداتها. فهذه الدول تعتمد بصورة كبيرة على عدد محدود من المصافي والموانئ ومحطات معالجة الغاز والتصدير، وأي إصابة دقيقة في منشأة رئيسية قد تخفض الإنتاج أو توقف الشحن فترة طويلة.
وفي المقابل، تعمل السعودية على إنشاء تحالف بحري متعدد الجنسيات لحماية السفن وطرق إمدادات الطاقة في البحر الأحمر، بعد اتساع هجمات الحوثيين ومناطق الخطر التي تحددها شركات التأمين البحري. لكن حماية جميع الحقول والموانئ وخطوط الأنابيب والسفن في آن واحد تمثل تحديا يتجاوز قدرات الدفاع الجوي والبحري التقليدية.
لماذا قد تختار واشنطن حرب الطاقة؟
تقوم الفكرة الأميركية، كما تبدو من التسريبات، على أن القيادة الإيرانية تستطيع تحمل خسائر عسكرية محدودة، لكنها ستواجه ضغوطا أكبر إذا تأثرت الكهرباء والوقود والإنتاج الصناعي وإيرادات الطاقة.
كما تعتقد واشنطن أن استهداف القطاع قد يقلص قدرة إيران على تمويل الحرب وصناعة الصواريخ والمسيرات وتشغيل القواعد والموانئ. وقد تستخدم الضربات لفرض معادلة تقول إن استمرار إغلاق مضيق هرمز أو مهاجمة القوات والسفن سيقابله تدمير تدريجي للبنية الاقتصادية الإيرانية.
لكن لهذه الاستراتيجية وجها آخر. فالهجمات على الطاقة قد توحد قطاعات من المجتمع الإيراني خلف الحكومة بدلا من دفعها إلى التراجع، خصوصا إذا تعرض المدنيون لانقطاع الكهرباء والمياه والوقود. كما قد تعتبر طهران أن واشنطن انتقلت من محاولة إضعاف قدراتها العسكرية إلى محاولة تدمير الدولة والاقتصاد، ما يقلل فرص قبولها بتسوية ويزيد استعدادها لتوسيع الحرب.
وتشير خبرة الأشهر الماضية إلى أن إيران لا تحتاج إلى التفوق العسكري التقليدي للرد؛ إذ يكفيها تهديد منشآت حساسة أو تعطيل الملاحة وإجبار شركات الشحن والطاقة على وقف العمل احترازيا. فالضرر الاقتصادي لا ينتج فقط من الإصابة المباشرة، بل من قرارات الإغلاق والتأمين وارتفاع المخاطر.
الاستعداد الأميركي: بنية عسكرية قائمة وحملة متواصلة
تملك الولايات المتحدة بالفعل قوات جوية وبحرية وقواعد ومنظومات دفاع جوي منتشرة في الشرق الأوسط، كما تنفذ منذ أسابيع ضربات متواصلة على مواقع إيرانية. وأعلنت القيادة المركزية في إحدى الجولات إكمال الليلة الثانية عشرة على التوالي من الضربات التي استهدفت قدرات بحرية ومستودعات صواريخ ومسيرات ومواقع مراقبة ساحلية ودفاعات جوية.
ويعني ذلك أن تنفيذ حملة جديدة لا يتطلب بناء وجود عسكري من الصفر، بل تعديل بنك الأهداف وتكثيف الطلعات وتنسيق الدفاع عن القواعد والمنشآت المحتمل تعرضها للرد.
غير أن استهداف مواقع الطاقة يتطلب أيضا استعدادا لموجات من الصواريخ والمسيرات الإيرانية ضد القواعد الأميركية في الكويت والبحرين وقطر والإمارات والعراق والأردن، إلى جانب احتمال مهاجمة السفن والموانئ وشبكات الطاقة.
وتواجه واشنطن معضلة تتعلق بتوزيع صواريخ الاعتراض بين حماية القوات الأميركية وحماية الحلفاء والسفن والمنشآت الاقتصادية. وكلما اتسعت قائمة الأهداف الإيرانية، ازدادت صعوبة توفير مظلة دفاعية محكمة للجميع.
وقد أصدرت وزارة الخارجية الأميركية تحذيرا عالميا في 22 يوليو/تموز، دعت فيه المواطنين الأميركيين، وخصوصا الموجودين في الشرق الأوسط، إلى زيادة الحذر والاستعداد لإلغاء الرحلات وإغلاق المجالات الجوية وتعطل السفر بصورة مفاجئة. كما أبقت دول خليجية عدة ضمن مستويات تحذير مرتفعة بسبب مخاطر الصواريخ والمسيرات الإيرانية والنزاع المسلح.
كيف تستعد إسرائيل للرد الإيراني؟
يرجح أن تركز إسرائيل استعداداتها على أربعة مسارات متزامنة: حماية المجال الجوي، وتشديد الدفاع عن منشآت الغاز والكهرباء والمياه، وضمان استمرار عمل المرافق المدنية، والاستعداد لضرب منصات الصواريخ الإيرانية إذا بدأت موجة الرد.
وتتمثل إحدى المشكلات الرئيسية في أن منشآت الطاقة أهداف ثابتة ومعلومة الموقع، بخلاف الوحدات العسكرية المتحركة. كما أن إصابة منشأة لا تحتاج دائما إلى تدميرها بالكامل؛ فقد تؤدي شظايا أو أضرار محدودة أو مخاوف أمنية إلى وقف الإنتاج أو إخلاء العاملين.
وقد تلجأ إسرائيل إلى تقليص الإنتاج البحري مؤقتا، وزيادة الاعتماد على الفحم والديزل والطاقة الشمسية، وتشغيل مخزونات الطوارئ. لكنها ستواجه صعوبة أكبر إذا تزامنت الهجمات على منصات الغاز مع ضرب محطات الكهرباء أو موانئ الوقود أو شبكات النقل.
ويمثل الانتشار الجغرافي لمنظومة الطاقة الإسرائيلية نقطة قوة وضعف في الوقت نفسه؛ فهو يمنع ضربة واحدة من إسقاط الشبكة بأكملها، لكنه يفرض حماية عدد كبير من المحطات والمنشآت وخطوط النقل.
وتملك إسرائيل منظومات «آرو» و«مقلاع داود» و«القبة الحديدية»، إضافة إلى المقاتلات ووسائل الحرب الإلكترونية، إلا أن التجارب السابقة أظهرت أن اعتراض جميع الصواريخ والمسيرات ليس ممكنا، وأن جزءا من المقذوفات أو شظايا الاعتراض قد يصل إلى الأرض.
الخطر الأكبر: سلسلة انهيارات مترابطة
تكمن خطورة الحرب على الطاقة في الترابط الشديد بين الكهرباء والمياه والاتصالات والصحة والنقل والصناعة. فضرب محطة كهرباء لا يعني فقط انقطاع الإنارة، بل قد يؤدي إلى توقف مضخات المياه ومحطات المعالجة وأبراج الاتصالات والمصانع وسلاسل التبريد والمستشفيات.
وفي الخليج، تعمل محطات كثيرة على إنتاج الكهرباء وتحلية المياه في الوقت نفسه، ولذلك قد يؤدي استهداف الطاقة إلى تهديد إمدادات مياه الشرب لملايين السكان. كما أن توقف الغاز قد يجبر محطات الكهرباء على استخدام وقود سائل أقل كفاءة وأكثر كلفة، إذا كان متوافرا.
أما استهداف المصافي فيمكن أن يؤدي إلى نقص الوقود وتعطل النقل وإمدادات المولدات الاحتياطية، ما يضاعف آثار انقطاع الكهرباء.
وتصبح هذه الأضرار أكثر حدة خلال الصيف، حين يرتفع استهلاك الكهرباء لأغراض التكييف وتزداد الحاجة إلى المياه. ولذلك لا يمكن قياس نتائج الحملة بعدد المنشآت التي دمرت فقط، بل بقدرة الشبكات على الاستمرار والتعافي وتأمين البدائل.
الأسواق أمام اختبار صباح الاثنين
يكشف الحديث عن محاولة إنهاء الحملة قبل افتتاح الأسواق يوم الاثنين إدراك واشنطن أن التأثير الاقتصادي قد يكون فوريا، حتى قبل ظهور نتائج الضربات على الأرض.
فمجرد الإعلان عن استهداف مصاف أو حقول أو موانئ رئيسية يمكن أن يدفع أسعار النفط والغاز وعقود التأمين والشحن إلى الارتفاع، كما قد يدفع شركات الملاحة إلى وقف رحلاتها عبر هرمز أو البحر الأحمر.
وقد حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن الحرب التي بدأت نزاعا إقليميا تتحول إلى محرك لعدم الاستقرار العالمي، مشيرا إلى اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة وتعطل سلاسل الإمداد.
ولا يقتصر الأمر على النفط الخام؛ إذ إن تعطل صادرات الغاز الطبيعي المسال من قطر أو تدفقات الغاز من إسرائيل إلى مصر والأردن، أو إصابة المصافي في الخليج، يمكن أن يؤثر في الكهرباء والصناعة والنقل في آسيا وأوروبا وأفريقيا.
وقد تضطر الحكومات إلى الإفراج عن مزيد من الاحتياطيات الاستراتيجية، وتقديم دعم مالي للوقود والكهرباء، وفرض قيود على التصدير أو الاستهلاك. لكن هذه الإجراءات لن تمنع ارتفاع الأسعار إذا تعطلت هرمز وباب المندب ومنشآت الإنتاج في وقت واحد.
أربعة سيناريوهات للساعات والأيام المقبلة
السيناريو الأول هو تنفيذ ضربة أميركية محدودة وشديدة ضد عدد مختار من محطات الكهرباء أو المصافي، بهدف توجيه إنذار أخير إلى إيران من دون الدخول في حملة طويلة. وفي هذه الحالة قد ترد طهران على قواعد أميركية أو منشأة إسرائيلية واحدة، مع محاولة إبقاء باب التفاوض مفتوحا.
السيناريو الثاني هو إطلاق حملة أميركية إسرائيلية تمتد عدة أيام، تستهدف شبكة واسعة من منشآت الطاقة والبنية التحتية، ما سيدفع إيران على الأرجح إلى توزيع ردها بين إسرائيل ودول الخليج والقواعد الأميركية والملاحة في هرمز والبحر الأحمر. وهذا هو السيناريو الأكثر خطورة على الاقتصاد العالمي. ويستند هذا التقدير إلى التهديدات الإيرانية المعلنة وسوابق استهداف منشآت الطاقة الخليجية بعد ضرب جنوب فارس.
السيناريو الثالث هو التوصل إلى تفاهم دبلوماسي في اللحظة الأخيرة يؤدي إلى تعليق الهجوم. وتشير التقارير إلى أن ترامب ترك هذا الخيار مفتوحا، وأن أي تقدم فوري في المفاوضات قد يؤدي إلى إلغاء الحملة أو تقليصها. لكن انعدام الثقة بين الطرفين، واستمرار الهجمات على القوات والسفن، يجعلان هذا المسار هشا.
أما السيناريو الرابع فهو تنفيذ الولايات المتحدة ضربات من دون مشاركة إسرائيلية مباشرة، مع قيام إسرائيل بدور دفاعي واستخباري. وقد يقلل ذلك من مبررات طهران السياسية لاستئناف القصف الواسع لإسرائيل، لكنه لا يضمن امتناعها عن ذلك، خصوصا أن المسؤول الإيراني هدد صراحة بالبنية التحتية الإسرائيلية.
بين الردع والانفجار الإقليمي
تراهن واشنطن على أن إظهار الاستعداد لضرب الاقتصاد الإيراني سيجبر طهران على التراجع. لكن إيران تراهن بدورها على أن تهديد أمن الطاقة العالمي سيجعل كلفة الحرب أكبر من قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على تحملها.
وبذلك تتحول منشآت الكهرباء والغاز والنفط من مرافق اقتصادية إلى رهائن في معركة إرادات. فالولايات المتحدة تقول ضمنيا إن بإمكانها إغراق إيران في العتمة وتعطيل مصافيها، فيما تقول طهران إن ردها سيطال الكهرباء والغاز والموانئ والممرات التي يعتمد عليها حلفاء واشنطن والأسواق العالمية.
وتكمن المفارقة في أن كل طرف يحاول استخدام الخوف من الكارثة لمنع الآخر من التصعيد، لكن تراكم التهديدات والتحركات العسكرية يزيد احتمال وقوع الكارثة نفسها بسبب سوء تقدير أو خطأ في قراءة نيات الطرف المقابل.
ومع غياب إعلان رسمي نهائي عن بدء الحملة، تبقى الساعات المقبلة مفتوحة على ضربة واسعة أو عملية محدودة أو تراجع في اللحظة الأخيرة. إلا أن المؤكد أن قطاع الطاقة أصبح في قلب الحرب، وأن أي استهداف جديد لن يبقى أثره محصورا داخل إيران أو إسرائيل، بل سيمتد عبر الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط إلى أسعار الكهرباء والوقود والغذاء والنقل في أنحاء العالم.
وحتى صباح السبت 1 أغسطس/آب 2026، تظل التقارير بشأن مشاركة إسرائيل وتوقيت الضربات ونطاق الأهداف مبنية أساسا على مصادر أميركية وإسرائيلية مطلعة وتسريبات إعلامية، وليست إعلانا رسميا ببدء العملية. لكن التهديدات الإيرانية المقابلة صدرت بصورة علنية عبر وسائل إعلام مقربة من مؤسسات الحكم والحرس الثوري، ما يجعل المنطقة أمام مستوى مرتفع من التأهب، وأمام أخطر مواجهة محتملة على منشآت الطاقة منذ بداية الحرب.
من المهم التنويه أن موقع رِواق يحترم حقوق النشر ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المنشورات او الصور ومقاطع الفيديو أو غيره مما يصل الينا، وفي حال أنكم وجدتم أن لكم صورة او فيديو او منشورا تمتلكون حقوقا فيه، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة أو rwaqmedia@gmail.com حسب قانون 27 أ(סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים)



