ستة أضعاف خلال عامين.. ارتفاع ضحايا الاتجار بالبشر بين العمال الأجانب في إسرائيل

كشف تحقيق صحفي وبيانات حكومية إسرائيلية عن ارتفاع حاد في عدد العمال الأجانب الذين اعترفت بهم السلطات رسميا بوصفهم ضحايا للاتجار بالبشر والعمل القسري، في ظل التوسع الكبير الذي شهدته إسرائيل في استقدام العمال من الخارج، وضعف أنظمة الرقابة والحماية وملاحقة المخالفين.
وبحسب البيانات التي عرضت أمام لجنة المديرين العامين لشؤون العمال الأجانب، ارتفع عدد العمال الأجانب المعترف بهم ضحايا للاتجار بالبشر من خمسة فقط عام 2023 إلى 30 عام 2025، أي بمقدار ستة أضعاف خلال عامين. وحذر مسؤولون في وزارة العدل من أن العدد المعلن لا يعكس بالضرورة الحجم الحقيقي للظاهرة، وأن الحالات التي وصلت إلى السلطات قد لا تمثل سوى «قمة جبل الجليد».
وتشير الأرقام إلى الحالات التي جرى التعرف عليها وفحصها والاعتراف بها رسميا، وليس إلى العدد الإجمالي للعمال الذين تعرضوا للاستغلال. ويعني ذلك أن ارتفاع الحالات المسجلة قد يعود جزئيا إلى تحسن عمليات الكشف، لكنه يعكس أيضا اتساع قاعدة العمال المعرضين للاستغلال وظهور مسارات جديدة لاستقدامهم بعيدا عن أنظمة الحماية التقليدية.
التوسع بدأ بعد الحرب
جاء الارتفاع بالتزامن مع التحول الواسع في سياسة تشغيل العمال الأجانب بعد اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، ومنع معظم العمال الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عملهم داخل إسرائيل.
وأمام النقص الحاد في الأيدي العاملة، خصوصا في البناء والزراعة والصناعة والفنادق والخدمات، وسعت الحكومة الإسرائيلية حصص العمال الأجانب وسمحت باستقدام أعداد كبيرة منهم عبر شركات ووسطاء من القطاع الخاص، إلى جانب المسارات القائمة على الاتفاقيات الثنائية بين الحكومات.
وتظهر بيانات سلطة السكان والهجرة أنه خلال عام 2025 وجد في إسرائيل نحو 227 ألف عامل أجنبي، كان نحو 189 ألفا منهم يحملون تصاريح إقامة وعمل سارية. كما استمر توسيع الحصص خلال عام 2026 لتشمل مجالات جديدة في التجارة والخدمات والنقل والتنظيف والمطاعم والمصانع.
وكانت إسرائيل تعتمد قبل الحرب بصورة أكبر على اتفاقيات ثنائية مع الدول المصدرة للعمال، تتضمن آليات حكومية لاختيار العاملين وتحديد رسوم الاستقدام والإشراف على انتقالهم. لكن الحاجة السريعة إلى عشرات الآلاف من العمال دفعت الحكومة إلى فتح مسارات استقدام خاصة، منحت الشركات والمقاولين والوسطاء دورا أكبر في العملية.
ويرى مختصون ومنظمات حقوقية أن هذا التحول جعل بعض العمال أكثر اعتمادا على الوسطاء والمشغلين، وأضعف قدرتهم على الاعتراض أو تغيير أماكن العمل أو تقديم شكاوى عند تعرضهم للاستغلال.
ديون قبل الوصول إلى إسرائيل
تبدأ رحلة الاستغلال، في حالات كثيرة، قبل وصول العامل إلى إسرائيل. فقد كشف بحث مشترك لمعهد بروكديل ومركز الهجرة الدولية، شمل 320 عاملا من الصين والهند وسريلانكا وتايلاند وأوزبكستان استُقدموا عبر المسار الخاص للعمل في البناء، أن معظمهم دفعوا مبالغ مرتفعة مقابل فرصة الوصول إلى إسرائيل.
وأفاد 73 في المئة من العمال بأنهم دفعوا أكثر من أربعة آلاف دولار لتغطية رسوم الوساطة والتأشيرة والسفر ونفقات أخرى، بينما دفع 23 في المئة أكثر من ثمانية آلاف دولار. واضطر نحو 80 في المئة إلى اقتراض المال في دولهم الأصلية، بما في ذلك قروض من البنوك والأقارب والسوق السوداء.
وتحول هذه الديون العامل منذ لحظة وصوله إلى شخص شديد الضعف؛ إذ يصبح عاجزا عن ترك عمل مسيء أو العودة إلى بلده قبل سداد القروض. وقد يستخدم المشغل أو الوسيط هذا الدين وسيلة للسيطرة عليه، مستفيدا من حاجته إلى الاستمرار في العمل مهما كانت الظروف.
ويعتقد عدد من العمال الذين شملهم البحث أنهم سيحتاجون إلى عامين أو أكثر لسداد تكلفة وصولهم إلى إسرائيل. وتزداد الخطورة عندما تكون القروض مأخوذة من جهات غير رسمية تفرض فوائد مرتفعة أو تمارس ضغوطا وتهديدات على العامل وعائلته في بلده الأصلي.
جوازات السفر وسيلة للسيطرة
أظهرت الدراسة أن مصادرة جوازات السفر والوثائق الشخصية لا تزال واحدة من أخطر وسائل إخضاع العمال. وقال 20 في المئة ممن شملهم الاستطلاع إن جوازاتهم أو وثائق مهمة أخرى أُخذت منهم، فيما ارتفعت النسبة بين العمال الصينيين إلى 76 في المئة.
كما أفاد 37 في المئة من العمال الصينيين بأن جوازاتهم ظلت محتجزة مدة شهر أو أكثر. وأوضح بعض العمال أن الاحتفاظ بالوثائق كان يستخدم لمنعهم من ترك المشغل أو الانتقال إلى مكان عمل آخر.
ويحظر القانون الإسرائيلي مصادرة جواز سفر العامل، وقد تعد هذه الممارسة، عند اقترانها بالتهديد أو منع حرية الحركة أو حجب الأجر، مؤشرا جديا إلى الاحتجاز في ظروف العبودية أو الاتجار بالبشر.
ولا يشترط الاتجار بالبشر، في هذا السياق، أن يكون الضحية محتجزا وراء باب مغلق؛ إذ يمكن أن يتحقق الاستغلال من خلال تراكم الديون، ومصادرة الوثائق، والتهديد بالترحيل، ومنع تغيير المشغل، وحجب الرواتب، وإجبار العامل على ساعات طويلة تحت ظروف خطرة.
ساعات عمل طويلة ومخالفات في الأجور
كشف البحث كذلك أن بعض العمال يعملون ساعات تتجاوز الحد القانوني. فقد بلغ متوسط عمل العمال الصينيين الذين شملهم الاستطلاع نحو 66 ساعة أسبوعيا، في حين عمل الأوزبك نحو 59 ساعة، مع وجود ورديات تمتد إلى 12 ساعة يوميا.
وقال نحو 24 في المئة من العمال إنهم واجهوا مشكلات في الأجور، شملت الدفع بأقل من المستحق، وتأخير الرواتب، أو عدم دفع أجزاء منها. وأفاد أكثر من 20 في المئة بأنهم لم يحصلوا على حماية كافية من أخطار العمل، رغم أن معظمهم يعملون في قطاع البناء الذي يعد من أكثر القطاعات خطورة.
كما تبين أن 90 في المئة وقعوا عقود عمل، لكن 36 في المئة فقط قالوا إنهم فهموا معظم ما ورد في العقد أو فهموه كاملا. وأكد عدد من العمال وجود اختلاف بين طبيعة العمل التي وُعدوا بها قبل السفر والمهام التي طلب منهم تنفيذها بعد الوصول.
ويمثل حاجز اللغة مشكلة مركزية؛ إذ قد يوقع العامل عقدا بلغة لا يجيدها، أو يتلقى معلومات ناقصة عن الأجر وساعات العمل والسكن والتأمين الصحي وإمكانية الانتقال بين المشغلين.
خوف من الشكوى والترحيل
أشار التحقيق إلى أن الكشف عن الضحايا يظل محدودا بسبب خوف العمال من تقديم شكاوى. فكثير منهم يعتقدون أن الشكوى ستؤدي إلى فقدان الوظيفة أو إلغاء تصريح العمل أو الترحيل قبل استعادة الأموال التي دفعوها.
كما يخشى بعض العمال من الوسطاء في بلدانهم الأصلية أو من المشغلين الذين يوفرون لهم العمل والسكن والتأمين والمواصلات، ما يجعلهم معتمدين على جهة واحدة في جميع تفاصيل حياتهم.
وحددت الجهات المهنية مجموعة من أوجه القصور، أبرزها دفع رسوم وساطة غير قانونية، ومصادرة جوازات السفر، وتقييد انتقال العمال بين المشغلين، وعمل وسطاء غير مرخصين، وتشغيل العمال من دون تصاريح أو في وظائف تختلف عن تلك التي استُقدموا من أجلها.
وتواجه السلطات كذلك صعوبة في التحقيق بسبب تنوع الدول التي يأتي منها العمال وتعدد اللغات، في وقت تعاني فيه أجهزة التفتيش والترجمة والرعاية الاجتماعية نقصا في الموظفين والميزانيات.
عشرات الآلاف بلا تصاريح
وفقا للبيانات التي نوقشت حكوميا، يوجد في إسرائيل نحو 45 ألف عامل أجنبي لا يحملون وضعا قانونيا ساري المفعول. ويعمل نحو 35 في المئة منهم في الرعاية المنزلية، و25 في المئة في الزراعة، و24 في المئة في البناء.
ويزيد فقدان الوضع القانوني من خطر الاستغلال، لأن العامل غير المرخص يتردد في التواصل مع الشرطة أو وزارة العمل خشية اعتقاله وترحيله. وقد يستغل بعض المشغلين هذا الخوف لدفع أجور منخفضة أو فرض ساعات طويلة أو منع العامل من المغادرة.
لكن مسؤولي سلطة السكان والهجرة يشددون على أن كل انتهاك لحقوق العامل لا يعد تلقائيا اتجارا بالبشر، وأن إثبات الجريمة يتطلب وجود مؤشرات إلى الإكراه أو السيطرة أو الاستغلال الشديد. كما يرون أن الزيادة الكبيرة في أعداد العمال الأجانب تؤدي بطبيعتها إلى زيادة عدد المخالفات والشكاوى المكتشفة.
إسرائيل ما تزال في الدرجة الثانية
أبقى تقرير وزارة الخارجية الأميركية لعام 2025 إسرائيل في الدرجة الثانية في التصنيف الخاص بمكافحة الاتجار بالبشر. ويعني هذا التصنيف أن الحكومة لا تستوفي بصورة كاملة الحد الأدنى من المعايير المطلوبة للقضاء على الظاهرة، رغم أنها تبذل جهودا ملموسة لتحقيق ذلك.
وكانت إسرائيل قد حافظت سابقا على التصنيف الأعلى، لكنها تراجعت إلى الدرجة الثانية بعد انتقادات تتعلق بضعف التحقيقات والملاحقات القضائية، ومحدودية المبادرات الحكومية للكشف المبكر عن الضحايا، والاعتماد على أن يتقدم العامل بنفسه بشكوى أو أن تحيله منظمة حقوقية إلى السلطات.
وأشار التقرير الأميركي إلى تعرض العمال الأجانب، ومن بينهم عمال صينيون وأتراك وفلسطينيون وروس وأوكرانيون، لأشكال مختلفة من الاستغلال في سوق العمل الإسرائيلي. كما دعا إلى زيادة عدد المفتشين والمترجمين والعاملين الاجتماعيين وتطوير القدرة على اكتشاف الضحايا بصورة استباقية.
الحكومة: تحسن في اكتشاف الضحايا
في المقابل، تقول وزارة العدل إن جزءا من الارتفاع في الأعداد المسجلة يعود إلى تحسن عمل الجهات الحكومية، وتطوير أدوات التعرف على الضحايا، وزيادة التعاون بين الشرطة والنيابة ووزارة العمل وسلطة السكان والهجرة.
وأشارت الجهات الحكومية إلى توسيع برامج التدريب وإنشاء أطر جديدة للتحقيق وتعزيز التعاون مع دول المنشأ، إلى جانب تشغيل خطوط مساعدة بلغات مختلفة. كما طُرحت توصيات بفرض عقوبات مالية أوسع على المشغلين والوسطاء المخالفين وتشديد الرقابة على رسوم الاستقدام وشركات القوى العاملة.
لكن مسؤولين في وزارة العدل أقروا بأن اكتشاف 30 عاملا فقط لا يعني أن عشرات الآلاف الآخرين يعملون في ظروف سليمة، خصوصا في ظل التوسع السريع في الاستقدام وعدم نمو أجهزة الرقابة بالمعدل نفسه.
القفزة المسجلة قد تكون بداية الأزمة
تكشف البيانات وجود فجوة كبيرة بين حاجة الاقتصاد الإسرائيلي إلى العمال وبين قدرة الدولة على حمايتهم. فالحكومة توسع الحصص وتضيف قطاعات جديدة إلى قائمة المجالات المسموح لها باستقدام العمال، بينما تواجه وحدات التفتيش والشرطة والخدمات الاجتماعية صعوبة في متابعة العدد المتزايد من المشغلين والوسطاء والمساكن وأماكن العمل.
كما أن التوسع عبر الشركات الخاصة قد يعيد ظواهر حاولت الاتفاقيات الثنائية الحد منها، وعلى رأسها رسوم الوساطة المرتفعة والديون ومصادرة الوثائق وربط إقامة العامل بمشغل واحد.
ويحذر مختصون من أن الاعتراف بستة أضعاف عدد الضحايا خلال عامين لا ينبغي التعامل معه بوصفه مجرد زيادة إحصائية، بل باعتباره مؤشرا إلى اتساع بيئة تسمح بالاستغلال. فالعامل الذي يصل مثقلا بالدين، ولا يتحدث اللغة، ولا يعرف حقوقه، ويعتمد على المشغل في السكن والتأمين والإقامة، يصبح عرضة لسلسلة من الضغوط قد تنتهي بالعمل القسري أو الاحتجاز في ظروف شبيهة بالعبودية.
وبينما تؤكد الحكومة أنها حسنت قدرتها على اكتشاف الحالات، يبقى السؤال الأساسي متعلقا بقدرتها على منع وقوعها أصلا، وملاحقة المستفيدين من رسوم الوساطة والاستغلال، وضمان أن الحاجة إلى سد النقص في سوق العمل لا تتحول إلى باب واسع للاتجار بالبشر.
من المهم التنويه أن موقع رِواق يحترم حقوق النشر ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المنشورات او الصور ومقاطع الفيديو أو غيره مما يصل الينا، وفي حال أنكم وجدتم أن لكم صورة او فيديو او منشورا تمتلكون حقوقا فيه، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة أو rwaqmedia@gmail.com حسب قانون 27 أ(סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים)



