زلزال في الليكود.. نتائج التمهيديات تكشف إلى أين تتجه إسرائيل وما الذي ينتظر العرب والفلسطينيين

أظهرت النتائج النهائية للانتخابات التمهيدية في حزب الليكود، التي اكتمل فرز أصواتها صباح الثلاثاء 18 أغسطس/آب، تحولات تتجاوز بكثير ترتيب الأسماء في قائمة الحزب، وتقدم مؤشرات على الاتجاه الذي قد تسلكه السياسة الإسرائيلية في السنوات المقبلة، داخليا وفي التعامل مع المواطنين العرب والسلطة الفلسطينية، وكذلك في علاقة إسرائيل بالمجتمع الدولي.
وبعد فرز 100% من الأصوات، حل وزير الطاقة إيلي كوهين في المركز الأول في الانتخابات الداخلية، يليه رئيس الكنيست أمير أوحانا، ثم وزير العدل يريف ليفين، فيما جاءت وزيرة المواصلات ميري ريغيف في المركز الرابع ورئيس الائتلاف أوفير كاتس خامسا. وضمت المراكز التالية يوآف كيش وميكي زوهار وألموغ كوهين وعميحاي شيكلي ودودي أمسالم، بينما تراجعت تالي غوتليف إلى المركز الثاني عشر، ودافيد بيتان إلى الخامس عشر، ووجد نير بركات نفسه عند حافة المنطقة التي تعتبر واقعية لدخول الكنيست. وفي المقابل، بقيت أسماء بارزة، بينها عيديت سيلمان وآفي ديختر وماي غولان وحنوخ ميلفيتسكي، خارج المواقع الواقعية بحسب القوة التي تمنحها استطلاعات الرأي الحالية للحزب.
وبلغت نسبة المشاركة 53.5% فقط، أي نحو 75 ألفا من أصحاب حق الاقتراع، مقارنة بـ58% في تمهيديات عام 2022. ورغم أن الحديث يدور عن انتخابات داخلية لا يشارك فيها عموم الإسرائيليين، فإن أهمية نتائجها تنبع من أن الليكود لا يزال الحزب الحاكم وأكبر أحزاب اليمين، وأن هوية أعضائه الذين سيدخلون الكنيست ستؤثر بصورة مباشرة في طبيعة أي حكومة يقودها بنيامين نتنياهو بعد الانتخابات العامة المقبلة.
يمين أكثر تشددا.. لكن ليس بالضرورة أكثر فوضوية
المؤشر الأبرز لا يظهر فقط في هوية الفائزين، وإنما في طبيعة جمهور الليكود نفسه. فقد أظهر استطلاع أجراه معهد “أغام” في صفوف أعضاء الحزب قبيل الانتخابات أن ناخبي الليكود الذين يقررون قائمته في 2026 أصبحوا أكثر يمينية وأكثر تدينا مقارنة بالذين اختاروا قائمة الحزب عام 2022. كما أفادت مراسلة Ynet السياسية موران أزولاي، استنادا إلى استطلاعات داخلية أجراها مرشحون، بأن القضية التي تحرك أعضاء الليكود في المقام الأول هي النظام القضائي، يليها الأمن والملف الإيراني، بينما تأتي موضوعات مثل التعليم وغلاء المعيشة في مرتبة لاحقة.
وهذا الاتجاه ظهر مباشرة في نتيجة يريف ليفين، مهندس خطة تغيير النظام القضائي، الذي احتل المركز الثالث. ولم يتعامل ليفين مع النتيجة بوصفها انتصارا شخصيا فحسب، بل قال بعد ظهور النتائج إنها تعبر عن تأييد للطريق الذي يقوده، مؤكدا أن جمهورا واسعا يطالب باستكمال التغييرات القضائية. ومن هنا تحمل الانتخابات رسالة واضحة إلى الساحة الإسرائيلية: الملف القضائي، الذي كان أحد أكبر مصادر الانقسام الداخلي في إسرائيل خلال السنوات الماضية، لم يختف من أجندة قاعدة الليكود، بل ما زال أحد أهم العوامل التي تكافئ أو تعاقب السياسيين داخل الحزب.
لكن النتيجة لا تعني أن أعضاء الليكود اختاروا ببساطة الشخصيات الأكثر تطرفا أو صدامية. فقد كانت تالي غوتليب تتصدر أو تقترب من صدارة عدد من الاستطلاعات السابقة للانتخابات، لكنها انتهت في المركز الثاني عشر. وذكرت “واللا” أن نتنياهو تلقى استطلاعات تشير إلى أن وجود غوتليب في قمة القائمة قد يكلف الليكود أصواتا في الانتخابات العامة، بينما اتهمت غوتليب محيط نتنياهو بالعمل لإضعافها. وهذه النتيجة تكشف معادلة أكثر تعقيدا: القاعدة الحزبية تتحرك يمينا، لكن نتنياهو يسعى في الوقت نفسه إلى منع تشكيل قائمة قد تبدو شديدة التطرف أمام الناخب الإسرائيلي الأوسع.
نتنياهو أقوى من الانتخابات نفسها
ورغم أن نحو 142 ألف عضو في الليكود كانوا مؤهلين للمشاركة في اختيار القائمة، فإن المتنافسين لم يكونوا يتنافسون على جميع المواقع. فقد حصل نتنياهو مسبقا على حق تعيين ثمانية مرشحين في مواقع محددة حتى المركز التاسع والعشرين، وهي زيادة كبيرة مقارنة بخمسة مواقع حصل عليها في انتخابات 2022 وموقعين فقط عندما استُخدمت هذه الآلية للمرة الأولى عام 2015. ويشير المعهد الإسرائيلي للديمقراطية إلى أن توسيع عدد المواقع التي يختارها رئيس الحزب يقلص بصورة واضحة الجزء الذي يقرره أعضاء الحزب مباشرة.
وتزيد هذه الآلية قدرة نتنياهو على هندسة القائمة النهائية وفقا لاحتياجات حملته الانتخابية. وتشير Ynet إلى أنه يستطيع كذلك إجراء بعض عمليات التبديل المرتبطة بالمواقع المحجوزة، بينما نجح مرشحون دعمهم في عدد من الدوائر الداخلية. ومع ذلك، لم تكن سيطرته كاملة؛ إذ نجا دافيد بيتان، الذي قاد المعارضة الداخلية الأبرز ضد توسيع صلاحيات نتنياهو في تشكيل القائمة، كما تفوقت مرشحة دعمها بيتان في خانة المرأة الجديدة على المرشحات اللواتي تلقين دعما من نتنياهو.
وهكذا تخرج من الانتخابات قائمة تبدو أكثر إحكاما حول نتنياهو، لكنها لا تتحول إلى حزب شخصي كامل. فالانتخابات أظهرت استمرار وجود مراكز قوة داخلية، وفي الوقت نفسه منحت رئيس الحزب أدوات غير مسبوقة تقريبا لتعديل الصورة النهائية قبل خوض الانتخابات العامة.
ماذا تعني النتائج للعرب داخل إسرائيل؟
بالنسبة إلى المواطنين العرب في إسرائيل، فإن أحد أهم المؤشرات لا يتعلق بتصريح محدد لأحد الفائزين، بل ببنية القائمة نفسها. فوفقا لقواعد الانتخابات الداخلية التي حللها المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، خصص الليكود ضمان تمثيل لمرشح “غير يهودي” في المركز الحادي والأربعين فقط. وفي ظل استطلاعات تشير حاليا إلى حصول الحزب على نحو 22 إلى 25 مقعدا، فإن هذا الموقع لا يضمن عمليا دخول ممثل غير يهودي إلى الكنيست المقبل.
ولا تعني النتيجة بحد ذاتها صدور سياسة جديدة ضد المواطنين العرب، لكن الاتجاه الداخلي للحزب يحمل دلالة سياسية مهمة: القاعدة التي اختارت القائمة تضع القضاء والأمن وإيران قبل الملفات الاجتماعية والاقتصادية، فيما صعد عدد من السياسيين المرتبطين بخط قومي وأمني صارم. وإذا انعكست هذه الأولويات على برنامج الليكود الحكومي المقبل، فقد تصبح قضايا مثل العلاقة بين الأغلبية اليهودية والأقلية العربية، والمساواة المدنية، والجريمة في البلدات العربية والميزانيات، أكثر خضوعا للمنظور الأمني والقومي وأقل حضورا باعتبارها ملفات اجتماعية مستقلة.
وفي الوقت ذاته، قد تحمل هذه الصورة تأثيرا انتخابيا معاكسا: فكلما اتجه الليكود وقاعدته يمينا، ازدادت أهمية نسبة التصويت في المجتمع العربي وقدرة الأحزاب العربية على توحيد صفوفها، لأن المقاعد العربية قد تتحول مرة أخرى إلى عنصر حاسم في تحديد ما إذا كان معسكر نتنياهو سيتمكن من بلوغ أغلبية 61 مقعدا أم لا.
السلطة الفلسطينية: مساحة أضيق للمسار السياسي
أما بالنسبة إلى السلطة الفلسطينية، فلا تعني نتائج التمهيديات أن الليكود اتخذ قرارا جديدا بضم الضفة أو بإسقاط السلطة، لكن الاتجاه الذي كشفته القاعدة الانتخابية يقلل الحوافز السياسية أمام نواب الليكود لتبني مواقف أكثر اعتدالا تجاه الفلسطينيين. فالناخب الداخلي للحزب أصبح، بحسب معهد “أغام”، أكثر يمينية وتدينا، بينما يتصدر الأمن أولوياته بعد النظام القضائي مباشرة.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه الضفة الغربية أصلا تحولات واسعة. فقد ذكرت Ynet في أواخر يوليو/تموز أن الحكومة الإسرائيلية نقلت صلاحيات من الإدارة المدنية، وشرعنت أكثر من مئة بؤرة استيطانية، ووسعت نشاط المزارع الاستيطانية وعززت العودة إلى شمال الضفة، في خطوات يعتبر منتقدوها “ضمّا فعليا”، فيما يحذرون من أن استمرارها قد يؤدي إلى تصعيد أمني وعزلة دولية أعمق.
ومن هنا، فإن المؤشر الذي ترسله تمهيديات الليكود إلى رام الله ليس قرارا فوريا، وإنما اتجاها سياسيا: إذا أصبح أعضاء الكنيست عن الحزب أكثر اعتمادا في بقائهم السياسي على جمهور داخلي يميني متشدد، فستكون كلفة تقديم تنازلات للسلطة الفلسطينية أو العودة إلى مسار الدولتين أعلى داخل الحزب، بينما تصبح المواقف الداعمة للاستيطان والسيطرة الأمنية أكثر قابلية للمكافأة في الانتخابات الداخلية المقبلة.
إسرائيل والعالم: احتمال اتساع الفجوة
وتأتي هذه التحولات في وقت تواجه فيه إسرائيل بالفعل ضغوطا دبلوماسية متزايدة مرتبطة بالحرب والسياسة في الضفة الغربية. ففي يونيو/حزيران فرضت فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا والنرويج إجراءات وعقوبات مرتبطة بجهات وشخصيات متهمة بدعم العنف الاستيطاني، ومنعت فرنسا وزير المالية بتسلئيل سموتريتش من دخول أراضيها، وقال وزير الخارجية الفرنسي إن سياسة توسيع المستوطنات والعمل على ضم الضفة وتقويض السلطة الفلسطينية غير مقبولة لدى غالبية المجتمع الدولي المتمسك بحل الدولتين.
وفي أبريل/نيسان، دعا أكثر من 350 دبلوماسيا ووزيرا ومسؤولا أوروبيا سابقا إلى تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، بينما استضافت باريس في يونيو/حزيران مؤتمرا لدعم حل الدولتين بعد الاعتراف الفرنسي بالدولة الفلسطينية، في مؤشر على اتساع الفجوة بين التوجه السياسي الإسرائيلي الحالي وبين الاتجاه السائد في عدد من العواصم الأوروبية.
لهذا فإن عودة ليفين إلى قمة الليكود، وصعود قاعدة أكثر يمينية وتدينا، واستمرار قوة التيار المتشدد أمنيا وقوميا، يمكن أن تزيد الصعوبة أمام أي محاولة إسرائيلية لإعادة تحسين العلاقات مع العواصم الغربية إذا تحولت هذه المؤشرات إلى سياسات فعلية، سواء عبر استكمال التغييرات القضائية أو توسيع الاستيطان أو اتخاذ خطوات باتجاه الضم. ويشير تقرير Ynet حول التحولات في الضفة إلى أن منتقدي هذه السياسة داخل إسرائيل نفسها يحذرون من أن استمرارها قد يقود إلى عزلة دولية غير مسبوقة وإلى إضرار بالعلاقات مع حلفاء رئيسيين.
لكن الوجه الآخر للصورة أن نتنياهو ما زال يمتلك عددا كبيرا من المواقع التي يستطيع استخدامها لإدخال شخصيات يراها أكثر جذبا للوسط الإسرائيلي أو أكثر قبولا دوليا. ولذلك فإن القائمة النهائية ستكشف ما إذا كان سيختار السير بالكامل مع المزاج اليميني لقاعدته، أم سيحاول استخدام صلاحياته لتحقيق توازن بين إرضاء أعضاء الليكود وبين الحاجة إلى استعادة ناخبين انتقلوا إلى أحزاب يمينية أخرى أو إلى أحزاب تقدم نفسها بوصفها أكثر اعتدالا.
وبذلك تبدو تمهيديات الليكود لعام 2026 أشبه بصورة مصغرة للمأزق الذي يواجه نتنياهو في الانتخابات العامة: قاعدته الحزبية تتحرك إلى اليمين وتكافئ المواقف المتشددة في القضاء والأمن، بينما يحتاج هو إلى أصوات خارج هذه القاعدة لاستمرار حكمه. أما بالنسبة إلى العرب في إسرائيل والسلطة الفلسطينية والمجتمع الدولي، فإن الرسالة الأولية للنتائج هي أن التحول نحو سياسة إسرائيلية أكثر اعتدالا لا يأتي حاليا من داخل قاعدة الحزب الحاكم؛ وإذا حدث مثل هذا التحول، فسيكون على نتنياهو أن يفرضه لأسباب انتخابية أو دولية، لا لأن أعضاء الليكود يطالبون به.
من المهم التنويه أن موقع رِواق يحترم حقوق النشر ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المنشورات او الصور ومقاطع الفيديو أو غيره مما يصل الينا، وفي حال أنكم وجدتم أن لكم صورة او فيديو او منشورا تمتلكون حقوقا فيه، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة أو rwaqmedia@gmail.com حسب قانون 27 أ(סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים)



