آخر الأخباراسرائيلية

تقرير: تآكل المناعة السياسية لإسرائيل في العالم

بقلم: شاؤول أريئيلي

إسرائيل في بداية العام 2026 دولة قوية اختارت طريقاً يضعفها سياسياً. هذا السياق ضروري لأي نقاش جدي حول مكانتها الدولية. ليست الأمم المتحدة هي المذنبة أو أوروبا او الإعلام المعادي أو “العالم المنافق”. التهمة ملقاة على الحكومة في القدس، التي تشن منذ أكثر من سنتين حربا واسعة بدون أهداف سياسية، وتدير سياسة خارجية وكأن القوة العسكرية تكفي لضمان الشرعية الدولية. هذا ليس خطأ محددا، بل رؤيا.

منذ تشرين الأول 2023 وإسرائيل غارقة في الحرب الأطول والأكثر دموية في تاريخها. لقد شنت هذه الحرب وكانت محقة في ذلك بعد هجوم “إرهابي” غير مسبوق، ولكن كلما مرّ الوقت فان السؤال الرئيسي في الساحة الدولية توقف عن ان يكون “لماذا تحارب إسرائيل” وتحول ليصبح “الى أين تذهب إسرائيل”، بالنسبة للنزاع بين إسرائيل والفلسطينيين وبخصوص مكانتها في المنطقة. ترفض الحكومة الإجابة على هذا السؤال، ويساهم صمتها في تآكل مكانتها السياسية.

في عالم اليوم الحروب لا يتم فحصها فقط بمفاهيم الإنجازات العسكرية، بل يتم فحصها حسب ثلاثة معايير: الهدف، الحدود، والنهاية. لا تطبّق إسرائيل أياً من هذه المعايير. لا يوجد هدف سياسي واضح في غزة، ولا توجد حدود محددة للعملية العسكرية هناك، ولا توجد نقطة نهاية واقعية مطروحة كهدف. في ظل غياب هذه المعايير أيضا تجد الدول المؤيدة لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها صعوبة في مواصلة منحها الدعم السياسي.

حجم الدمار في غزة، وعدد القتلى الكبير، والتهجير الواسع للسكان المدنيين، لا تقف وحدها في مركز الانتقاد الدولي، بل تضاف الى سؤال أكثر عمقا: هل الحرب التي تشنها إسرائيل تستهدف تغيير الواقع أم تخليده؟ عندما لا تكون الحكومة مستعدة للقول من سيحكم غزة في اليوم التالي وما هي العلاقة بين انتهاء الحرب وبين تسوية إقليمية واسعة، فان العالم يتوصل الى نتيجة ان إسرائيل لا تسعى الى التسوية، بل إدارة نزاع طويل وبالقوة.

خلال سنوات استفادت إسرائيل من افتراض أساسي مريح كان مقبولا على العالم، وهو ان الاحتلال مؤقت، وان النزاع قابل للحل، وان الجمود هو نتيجة غياب شريك في الطرف الفلسطيني. تآكل هذا الافتراض بالتدريج منذ 1993، ومنذ تشكيل الحكومة الحالية انهار بالكامل. توقف العالم عن تصديق أن إسرائيل “تنتظر اللحظة المناسبة”. وهو يلاحظ نموذجا واضحا من التأجيل المنهجي للحسم مع توسيع السيطرة الفعلية.

يبرز الأمر في اللغة الدولية الجديدة تجاه إسرائيل: لم يعد هناك “دعوة لضبط النفس” أو “قلق من الوضع الإنساني”، بل نقاش في شرعية السيطرة المتواصلة وتداعياتها القانونية. أصبحت إسرائيل تعتبر أقل فأقل دولة تحارب “الإرهاب” خلال النزاع، وأكثر فأكثر دولة معنية بحرب من اجل تثبيت حقائق سياسية. عزلتها في التصويتات في الأمم المتحدة، حول الاعتراف بدولة فلسطينية وبحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، تدل على عمق التغيير. العزلة ليست نتيجة الجمود. بل بنيت من الفجوة الآخذة في الاتساع بين تصريحات عامة لإسرائيل بأن سيطرتها على الأراضي المحتلة هي “مؤقتة” وبين واقع توسيع هذه السيطرة.

من المهم التأكيد على ان الانتقاد الدولي لا ينفي حق إسرائيل في القتال، أو تجاهل الواقع الأمني وتهديد “حماس”، “حزب الله”، وايران. بل ينبع من عدم وجود إجابة على سؤال كيف تنوي إسرائيل حل الوضع؟ في عالم فيه أيضا حروب “عادلة” يتعين عليها طرح أفق. وهذا الامر يصبح مشكلة استراتيجية بالنسبة للدول المؤيدة لإسرائيل.

قوة إسرائيل العسكرية مثيرة للانطباع، وحتى الآن يوجد لها قدرة ردع. ولكن السياسة الخارجية لا تقاس فقط بالقدرة على استخدام القوة، بل أيضا بمعرفة متى وكيف يتم وقف استخدامها. هنا يكمن الفشل: إسرائيل تعمل وكأن القوة العسكرية تكفي، وتتجاهل توقع المسؤولية من جانبها. في هذه النقطة أيضا بدأ اصدقاؤها في تغيير النغمة. ليس بدافع العداء بل من خلال فقدان الثقة بقدرة إسرائيل على ان تصوغ لنفسها هدفا سياسيا. وعندما تتآكل هذه الثقة تبدأ عملية يصعب وقفها: الانتقال من دعم تلقائي الى دعم مشروط، ومن هناك الى ضغط.

في قلب التآكل السياسي لإسرائيل هناك مفهوم ترفض الحكومة الخوض فيه. ولكن العالم اصبح يستخدمه بشكل متزايد، وهو الضم التدريجي. ليس كاعلان أيديولوجي أو قانون في الكنيست، بل كواقع متراكم وقابل للقياس. واقع يدركه العالم من خلال أفعال إسرائيل، وكل محاولات الإنكار لن تساعد.
في الضفة الغربية يعيش الآن تقريبا 520 ألف مستوطن، باستثناء شرقي القدس، الى جانب حوالي 3 ملايين فلسطيني لا يملكون الجنسية. لا تعلن إسرائيل عن الضم، لكنها تعمل وكأنه حدث. توسيع المستوطنات وشرعنة بؤر استيطانية غير قانونية ونقل صلاحيات مدنية من الإدارة المدنية لوزارات حكومية وتطوير منظومة منفصلة من البنى التحتية، وتخطيط قطري لاسرائيليين فقط، وانفاذ انتقائي للقانون، كل ذلك ليس خطوات أمنية مؤقتة، بل خطوات لفرض السيادة.

ادعاء إسرائيل بانه “لا يوجد ضم لأنه لا يوجد قانون ضم” يعتبر في العالم نوعاً من السذاجة. لا يفحص القانون الدولي فقط التصريحات، بل السيطرة الفعلية، والمدة الزمنية وغياب نية لإنهاء الوضع. عندما تسيطر دولة لعشرات السنين على مجموعة سكانية محرومة من حقوق المواطن، وتعمق سيطرتها من خلال الحرمان من افق سياسي، فان النتيجة القانونية واضحة.

هنا يحدث أعمق خرق للثقة، إذ تحاول إسرائيل امساك العصا من الطرفين. فمن جهة ترفض ضم الأراضي رسميا خشية التداعيات الدولية والديمغرافية، ومن جهة أخرى ترفض التخلي عنها خشية من التداعيات السياسية الداخلية. النتيجة هي وضع انتقالي دائم يستمر منذ جيلين، وينظر اليه دوليا على انه خدعة.

على هذه الخلفية تحدث في أميركا، أوروبا، ودول المنطقة، عملية تآكل للمناعة السياسية لإسرائيل. منذ 2023 عملت إسرائيل من خلال افتراض أن الدعم الأميركي سيمكنها من تأجيل الحسم وإدارة النزاع بالقوة. عملياً، بقي الدعم الأميركي أمنياً، لكنه توقف عن ان يكون سياسيا واستراتيجيا. تقدم الولايات المتحدة مساعدة وحرية عمل عسكرية، لكنها لا تضع هدفا سياسيا ولا تجند رأس مال سياسيا للدفاع عن سياسة عديمة الأفق. هذا الفراغ يمكن أوروبا من استخدام ضغط معياري واقتصادي متزايد، يتمثل في تصريحات، خطوات تجارية، قيود على السلاح، وتهديدات بالعقوبات، إضافة الى تناقص الدول المؤيدة لإسرائيل.

في موازاة ذلك أيضا يضع الشركاء الإقليميون حدودا: مصر تشترط الاستقرار بمواصلة وقف إطلاق النار، وتركيا تستغل غياب الهدف الإسرائيلي من أجل ترسيخ نفوذها في المنطقة، والسعودية تربط التطبيع بمسار سياسي فلسطيني. يلاحظ العالم وجود نموذج: كل ازمة أمنية تستغلها إسرائيل لتعميق السيطرة وتوسيع الاستيطان، وكل مبادرة سياسية يتم رفضها بذريعة “التوقيت”. يؤدي هذا النموذج الى استنتاج واحد، وهو أن إسرائيل تسعى الى ترسيخ واقع الدولة الواحدة، الذي هو غير مقبول على المجتمع الدولي.

هنا أيضا تبرز المقارنة مع الابرتهايد في جنوب افريقيا، التي تسعى إسرائيل بشكل كبير لصدها. في الحالتين يدور الحديث عن سيطرة مجموعة معينة على مجموعة أخرى، بدون مساواة سياسية وبدون أفق. كلما مر الوقت تختفي الفروقات في نظر المشاهد من الخارج، ويزداد التشابه.

الرد الإسرائيلي على هذا الانتقاد، النفي، والغضب، واتهام المنتقدين باللاسامية، غير مقنع، بل مضر. فهو يمنع اجراء نقاش موضوعي، ويبعد الشركاء، ويعزز الادعاء بان إسرائيل غير مستعدة لمواجهة تداعيات أفعالها. لا تقاس الدول فقط بقوتها، بل بقدرتها على اتخاذ قرارات مسؤولة وتحمل المسؤولية عن تداعياتها. الحكومة الحالية ليست فقط لا تطرح حلا سياسيا، بل تعمل بصورة ممنهجة لمنع حل مستقبلي. فهي تضعف السلطة الفلسطينية، وتضر بشرعيتها في العالم، وترفض دمج أجهزة دولية في إعمار قطاع غزة، وتعمق الضم الزاحف في الضفة، كل ذلك من خلال قرار واعٍ.

تكمن المفارقة في أن إسرائيل، من منظور أمني، أصبحت تتمتع بمساحة أكبر للمناورة مما كان من قبل. فـ “حماس” هزمت هزيمة نكراء، و”حزب الله” تم كبح جماحه، وايران أصبحت اكثر حذرا. الآن هو الوقت المناسب لتحويل القوة العسكرية الى مبادرة سياسية: تحديد آلية لإعادة اعمار غزة بدون “حماس”، وإقامة آلية مدنية فلسطينية بإشراف إقليمي ودولي، والالتزام بمسار الفصل في الضفة الغربية. ولكن إسرائيل اختارت بدلا من ذلك المماطلة والانتظار، الامر الذي زاد حالة الارتباك.

لا تقاس السياسة الخارجية بالقدرة على تجنيد الولايات المتحدة من أجل فرض الفيتو على القرارات في مجلس الأمن، بل بالقدرة على حشد دعم الدول الأخرى. يزداد اليوم عدد الدول التي تنأى بنفسها عن إسرائيل وتعارض سياستها. هذه ليست حملة عدائية، بل رد فعل منطقي على سياسة تعتبر عبثية ومدمرة.

عن “هآرتس”

من المهم التنويه أن موقع رِواق يحترم حقوق النشر ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المنشورات او الصور ومقاطع الفيديو أو غيره مما يصل الينا، وفي حال أنكم وجدتم أن لكم صورة او فيديو او منشورا تمتلكون حقوقا فيه، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة أو rwaqmedia@gmail.com حسب قانون 27 أ(סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים)

بصائر الخير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *