زيارة ترمب إلى الصين: قمة الضرورة بين واشنطن وبكين وسط حرب إيران وتوتر تايوان ومعركة التجارة

جاءت زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى الصين في لحظة دولية شديدة الحساسية، إذ لم تكن مجرد زيارة بروتوكولية إلى بكين، بل محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم في ظل ملفات متفجرة: الحرب مع إيران، مضيق هرمز، تايوان، التجارة، التكنولوجيا، الاستثمار، وسلاسل التوريد. ووفق رويترز وأسوشيتد برس وشينخوا وبلومبرغ ومجلس العلاقات الخارجية، فإن القمة حملت رسائل مزدوجة: رغبة علنية في تهدئة التوتر، وتحذيرات حادة تحت السطح من أن ملفات مثل تايوان وإيران يمكن أن تعيد العلاقة إلى حافة الصدام.
زيارة دولة بطابع استثنائي
استقبل الرئيس الصيني شي جين بينغ ترمب في بكين ضمن زيارة دولة، شملت مراسم استقبال في قاعة الشعب الكبرى ومحادثات مغلقة امتدت أكثر من ساعتين، ثم مأدبة رسمية. ووصفت رويترز الزيارة بأنها أول زيارة لرئيس أمريكي إلى الصين منذ قرابة عقد، فيما ركزت شينخوا على أن اللقاء هدف إلى فتح “رؤية جديدة” للعلاقات الثنائية، وأن شي تحدث عن جعل عام 2026 عاما تاريخيا وفارقا في العلاقات الصينية الأمريكية.
لكن الشكل الاحتفالي لم يُخفِ ثقل الملفات المطروحة. فالقمة جاءت بعد عام من حرب تجارية قاسية بين البلدين، وفي ظل حرب إيران التي أثرت على أسواق الطاقة، وأعادت مضيق هرمز إلى صدارة الحسابات الاقتصادية والأمنية العالمية. كما جاءت في وقت تسعى فيه واشنطن إلى كبح توسع الصين التكنولوجي والعسكري، بينما تريد بكين انتزاع اعتراف أوسع بمكانتها وقواعد نفوذها، خصوصا في ملف تايوان.

أهداف ترمب من الزيارة
الهدف الأول لترمب كان اقتصاديا بوضوح. فقد أراد انتزاع تنازلات صينية في التجارة والاستثمار وفتح الأسواق أمام الشركات الأمريكية، إضافة إلى زيادة مشتريات الصين من المنتجات الزراعية والطاقة والطائرات. وذكرت رويترز أن ترمب تحدث عن موافقة الصين على طلب 200 طائرة بوينغ، بينما قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن صفقات تخص الطاقة والمنتجات الزراعية نوقشت أيضا، إلى جانب إنشاء أطر ثنائية للتجارة والاستثمار في القطاعات غير الاستراتيجية.
الهدف الثاني كان سياسيا داخليا. فترمب يحتاج إلى صورة زعيم قادر على تحقيق “صفقات كبرى” في وقت تضغط عليه الحرب مع إيران وتداعياتها الاقتصادية. ولذلك حاول أن يظهر في بكين لا بوصفه رئيسا يبحث عن وساطة صينية من موقع ضعف، بل بوصفه قائدا يستدعي الصين إلى طاولة الحلول العالمية. وقد نقلت رويترز عنه قبل الزيارة قوله إنه لا يعتقد أن الولايات المتحدة تحتاج مساعدة الصين في إيران، رغم أن الملف الإيراني كان حاضرا بقوة في خلفية القمة.
الهدف الثالث كان مرتبطا بإيران ومضيق هرمز. فالصين هي من أكبر مشتري النفط الإيراني، وتملك نفوذا اقتصاديا على طهران لا تملكه واشنطن. لذلك أرادت الإدارة الأمريكية، وفق قراءات رويترز ومجلس العلاقات الخارجية، اختبار مدى استعداد بكين لاستخدام نفوذها لمنع التصعيد، وضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحا أمام تدفق الطاقة.
أهداف الصين من القمة
من جهة بكين، كان الهدف الأساسي تثبيت معادلة الاستقرار مع واشنطن دون تقديم تنازلات استراتيجية. الصين تريد تخفيف ضغط الرسوم الجمركية والقيود التكنولوجية، وفتح باب أوسع أمام شركاتها وأسواقها، لكنها في الوقت ذاته تريد أن تجعل تايوان خطا أحمر لا يقبل المساومة. لذلك بدا خطاب شي، كما نقلت شينخوا وAP ورويترز، قائما على معادلة واضحة: التعاون ممكن، لكن المساس بتايوان يمكن أن يدفع العلاقة إلى “مكان خطير” أو إلى “صدامات وحتى نزاعات”.
كما أرادت الصين أن تظهر كقوة مسؤولة في النظام الدولي، لا كطرف تابع للولايات المتحدة في ملف إيران. ولذلك اكتفى البيان الصيني، بحسب وزارة الخارجية الصينية، بالقول إن الرئيسين تبادلا وجهات النظر حول “الوضع في الشرق الأوسط” وقضايا دولية وإقليمية أخرى، من دون الدخول في التفاصيل الأمريكية بشأن مضيق هرمز أو منع إيران من امتلاك سلاح نووي. هذا التباين بين البيانين الأمريكي والصيني مهم جدا: واشنطن أرادت إبراز تقارب حول إيران، بينما فضّلت بكين إبقاء الصياغة عامة.
وفي البعد الاقتصادي، أراد شي أن يطمئن الشركات الأمريكية بأن الصين لا تزال سوقا مفتوحة ومغرية. وذكرت بلومبرغ أن شي قال أمام رجال أعمال أمريكيين رافقوا ترمب إن “باب الصين إلى الخارج سيفتح على نحو أوسع”، في رسالة موجهة ليس فقط إلى واشنطن، بل إلى مجتمع الأعمال الأمريكي الذي يخشى خسارة السوق الصينية بسبب الحرب التجارية والقيود السياسية.

تايوان.. الرسالة الصينية الأشد
أبرز رسالة صينية في القمة كانت حول تايوان. فقد نقلت شينخوا أن شي وصف قضية تايوان بأنها “الأهم” في العلاقات الصينية الأمريكية، وحذر من أن التعامل السيئ معها قد يقود إلى صدامات ونزاعات ويعرض العلاقة بأكملها لخطر كبير. أما AP فلاحظت أن تحذير شي بدا حادا مقارنة بخطاب ترمب الأكثر تفاؤلا وميلا إلى عبارات المجاملة السياسية.
في المقابل، حاولت واشنطن تقليل حدة الرسالة. فقد قال وزير الخارجية ماركو روبيو إن سياسة الولايات المتحدة تجاه تايوان “لم تتغير”، وإن الصين تطرح هذه المسألة دائما في اللقاءات الثنائية، لكن واشنطن توضح موقفها ثم تنتقل إلى ملفات أخرى. كما قال إن إقدام الصين على أخذ تايوان بالقوة سيكون “خطأ فادحا”.
هنا تظهر فجوة واضحة في الروايتين: بكين وضعت تايوان في قلب القمة، بينما لم يبرزها البيت الأبيض في قراءته الأساسية للقاء. مجلس العلاقات الخارجية لخص هذه المفارقة بدقة حين أشار إلى أن الجانب الصيني شدد على تايوان، بينما ركزت القراءة الأمريكية على التجارة وإنهاء حرب إيران.
إيران ومضيق هرمز.. الملف الذي حضر واختلفت صياغته
في الرواية الأمريكية، خرجت القمة بتفاهم مهم: مضيق هرمز يجب أن يبقى مفتوحا، وإيران يجب ألا تمتلك سلاحا نوويا. ونقلت CBS عن قراءة البيت الأبيض أن الجانبين اتفقا على ضرورة بقاء المضيق مفتوحا لدعم التدفق الحر للطاقة. وذكرت وسائل أخرى أن ترمب قال إن شي أبدى استعدادا للمساعدة في إنهاء الحرب مع إيران.
لكن الرواية الصينية كانت أكثر تحفظا. فوزارة الخارجية الصينية قالت إن الزعيمين بحثا الوضع في الشرق الأوسط، وأكدت أن موقف الصين من مضيق هرمز “ثابت وواضح”، لكنها لم تعرض الأمر بوصفه اتفاقا تفصيليا مع واشنطن. كما أن قراءة شينخوا الرسمية وضعت الشرق الأوسط ضمن قائمة أوسع تشمل أوكرانيا وشبه الجزيرة الكورية، وليس كملف منفرد تم التفاهم عليه بندا بندا.
تداعيات هذا التباين كبيرة. فواشنطن تريد إظهار أن الصين باتت أقرب إلى موقفها في ملف إيران، بينما لا تريد بكين أن تبدو وكأنها انضمت إلى جبهة ضغط أمريكية على طهران. لذلك يمكن القول إن القمة أنتجت تقاطعا في المصالح حول استقرار الطاقة، لكنها لم تنتج بالضرورة اصطفافا صينيا كاملا خلف الرؤية الأمريكية.
التجارة والتكنولوجيا.. تهدئة لا تسوية نهائية
الملف التجاري كان حاضرا بقوة. رويترز نقلت أن النقاشات الاقتصادية بدت أكثر إيجابية من أجواء العام السابق، حين أوشكت الرسوم الجمركية المتبادلة على ضرب التجارة بين البلدين. وتحدثت المصادر عن مشتريات صينية إضافية من السلع الزراعية الأمريكية، وصفقات طاقة، وربما طائرات بوينغ، إضافة إلى نقاش حول دخول الشركات الأمريكية إلى السوق الصينية.
لكن هذه الإشارات لا تعني انتهاء الحرب التجارية. فبلومبرغ وصفت اليوم الأول من المحادثات بأنه محاولة لإعادة العلاقة الاقتصادية إلى “مسار أكثر استقرارا”، لا حلا كاملا للتوترات البنيوية. فالصراع على التكنولوجيا المتقدمة، والرقائق، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل التوريد، والقيود على التصدير، لا يزال قائما.
وفي هذا السياق، جاءت رسالة شي إلى رجال الأعمال الأمريكيين مهمة: الصين تريد إبقاء الشركات الأمريكية داخل السوق الصينية كي تمنع الانفصال الاقتصادي الكامل، لكنها في الوقت نفسه تريد تقليل اعتمادها الاستراتيجي على التكنولوجيا الأمريكية. أما ترمب، فيريد الاستفادة من السوق الصينية اقتصاديا دون أن يسمح للصين بتجاوز الولايات المتحدة في المجالات الحساسة.

دلالات الزيارة إعلاميا
قدمت رويترز القمة باعتبارها لقاء ضروريا بين قوتين لا تملكان رفاهية القطيعة، خصوصا مع ضغط حرب إيران على الاقتصاد العالمي. أما AP فركزت على التباين بين نبرة شي التحذيرية في ملف تايوان ونبرة ترمب الإيجابية. شينخوا قدمت اللقاء كفرصة لتأسيس “رؤية جديدة” للعلاقات وتوسيع التعاون. بلومبرغ ركزت على التجارة والأسواق ورجال الأعمال، ومجلس العلاقات الخارجية رأى أن القمة تدير التوتر ولا تحل جذوره.
هذا الاختلاف في التغطية يكشف أن القمة لم تكن انتصارا صافيا لطرف على آخر، بل ساحة إدارة رسائل. كل طرف خرج بما يريد قوله لجمهوره: ترمب تحدث عن نتائج اقتصادية وملف إيران، وشي شدد على تايوان والاستقرار الاستراتيجي، والإعلام الاقتصادي رأى في الزيارة محاولة لخفض المخاطر، بينما الإعلام السياسي ركز على الملفات التي قد تفجر العلاقة لاحقا.
التداعيات المحتملة
أول تداعٍ هو تهدئة مؤقتة في العلاقة الأمريكية الصينية. فمجرد انعقاد القمة، بحسب صندوق النقد الدولي، أمر إيجابي للاقتصاد العالمي، لأن خفض التوتر بين أكبر اقتصادين يقلل عدم اليقين التجاري والاستثماري. وقالت المتحدثة باسم الصندوق إن الحوار البنّاء بين واشنطن وبكين مفيد للاقتصادين وللاقتصاد العالمي.
ثاني تداعٍ يتعلق بأسواق الطاقة. إذا نجحت واشنطن وبكين في إبقاء قناة تفاهم حول مضيق هرمز، فقد يساعد ذلك في تهدئة المخاوف من صدمة نفطية أوسع. لكن إذا استمرت الحرب مع إيران أو ظلت الملاحة في الخليج مهددة، فإن نتائج القمة ستبقى محدودة أمام الواقع الميداني.
ثالث تداعٍ يرتبط بتايوان. التحذير الصيني العلني من “صدامات” أو “نزاعات” يعني أن بكين أرادت تسجيل موقف استراتيجي واضح أمام ترمب. وهذا قد يجعل أي صفقة أمريكية جديدة لتسليح تايوان أو أي زيارة سياسية عالية المستوى إلى الجزيرة اختبارا مباشرا لما بعد القمة.
رابع تداعٍ هو أن العلاقة الأمريكية الصينية دخلت مرحلة “التهدئة المشروطة”: لا حرب مفتوحة في الاقتصاد، ولا تسوية استراتيجية كاملة. هناك قنوات حوار، وصفقات محتملة، ورسائل إيجابية، لكن الملفات الأعمق لا تزال قابلة للانفجار.
من المهم التنويه أن موقع رِواق يحترم حقوق النشر ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المنشورات او الصور ومقاطع الفيديو أو غيره مما يصل الينا، وفي حال أنكم وجدتم أن لكم صورة او فيديو او منشورا تمتلكون حقوقا فيه، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة أو rwaqmedia@gmail.com حسب قانون 27 أ(סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים)



