آخر الأخبارعربية ودولية

منح وقروض وإجازات أطول: أردوغان يطلق معركة حماية مستقبل الأسرة ودعم الزواج والإنجاب في تركيا

في وقت تواجه فيه دول كثيرة حول العالم أزمة ديمغرافية صامتة بسبب تراجع معدلات الولادة وارتفاع نسبة كبار السن، اختار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن يضع الملف السكاني في صدارة الأولويات الوطنية، محذرا من أن انخفاض الخصوبة لا يمثل مجرد رقم إحصائي، بل تحديا استراتيجيا يمس مستقبل تركيا الاقتصادي والاجتماعي والديمغرافي.

ووصف أردوغان تراجع معدلات الولادة في تركيا بأنه “كارثة”، في إشارة إلى خطورة التحول الديمغرافي الذي قد يؤثر في قوة المجتمع التركي على المدى الطويل. ولم يتعامل الرئيس التركي مع المسألة باعتبارها أزمة عابرة، بل جعلها خلال العام ونصف العام الأخيرين إحدى القضايا المركزية في سياساته الداخلية، ضمن رؤية تقوم على دعم الأسرة وتشجيع الزواج والإنجاب.

وتظهر البيانات الرسمية أن معدل الخصوبة الكلي في تركيا تراجع إلى 1.48 طفل لكل امرأة في عام 2024، وهو أدنى مستوى تاريخي تسجله البلاد، بعدما كان 2.11 طفل لكل امرأة في عام 2013، أي أنه أصبح أقل بكثير من معدل الإحلال السكاني البالغ نحو 2.1 طفل لكل امرأة.

ويرى أردوغان أن استمرار هذا المسار قد يهدد مستقبل تركيا، لأن قوة الدول لا تقاس فقط بالاقتصاد أو الجيش أو البنية التحتية، بل أيضا بقدرتها على تجديد سكانها وحماية توازنها الاجتماعي. ولذلك ظل، طوال أكثر من عشرين عاما في الحكم، يشجع المواطنين الأتراك على إنجاب مزيد من الأطفال، وعلى بناء أسرة قوية ومستقرة، معتبرا أن ارتفاع عدد المواليد يعزز مكانة تركيا وقوتها في المستقبل.

وفي هذا الإطار، طرحت الحكومة التركية سلسلة إجراءات عملية لدعم الأسر الشابة وتخفيف الأعباء عن الآباء والأمهات. فقد تم تمديد إجازة الأمومة المدفوعة من 16 أسبوعا إلى 24 أسبوعا، بحيث تحصل الأم على وقت أطول للتعافي ورعاية مولودها. كما جرت مضاعفة إجازة الأبوة من 5 أيام إلى 10 أيام، في خطوة تعزز مشاركة الأب في المرحلة الأولى من حياة الطفل.

وتتضمن السياسة الجديدة أيضا دعما ماليا مباشرا للوالدين، من خلال منحة تقارب 110 دولارات عند ولادة الطفل الأول، إلى جانب مخصصات شهرية إضافية للعائلات التي لديها أكثر من طفل. كما أُتيحت للأزواج الشباب إمكانية التقدم للحصول على قروض بلا فوائد، بهدف مساعدتهم على تغطية تكاليف الزواج وتأسيس حياة أسرية مستقرة.

وتأتي هذه الإجراءات ضمن توجه أوسع تبنته أنقرة عندما أعلنت عام 2025 “عام الأسرة”، في رسالة سياسية واجتماعية واضحة مفادها أن الأسرة لم تعد ملفا اجتماعيا هامشيا، بل أصبحت جزءا من رؤية الدولة لمستقبلها.

وتؤكد التقارير الأوروبية أن تركيا تواجه بالفعل واحدة من أشد موجات تراجع الخصوبة في أوروبا خلال العقد الأخير. فبين عامي 2013 و2023، انخفض معدل الخصوبة من 2.11 إلى 1.51 طفل لكل امرأة، وهو أكبر انخفاض بين 34 دولة أوروبية، سواء من حيث القيمة المطلقة أو من حيث النسبة المئوية، قبل أن يتراجع أكثر إلى 1.48 في عام 2024.

ولا تقتصر المؤشرات المقلقة على معدل الخصوبة فقط. فقد أشار أردوغان إلى أن عدد المواليد السنوي انخفض من نحو 1.35 مليون طفل في عام 2014 إلى أقل من مليون طفل في عام 2023. كما حذر من تسارع شيخوخة المجتمع، لافتا إلى أن متوسط العمر في تركيا يقترب من 35 عاما، وأن نسبة كبار السن ارتفعت إلى 11.1% في عام 2025.

ويرى خبراء ديموغرافيا أن أسباب هذا التراجع متعددة، وتشمل التحضر، وتغير أنماط الحياة، واتساع التعليم العالي، وارتفاع تكاليف المعيشة، وعدم الاستقرار الاقتصادي. وهذه العوامل تجعل قرار الزواج والإنجاب أكثر صعوبة بالنسبة إلى كثير من الشباب، وهو ما تحاول الحكومة التركية معالجته عبر حوافز مالية واجتماعية وتشريعية.

وتندرج أزمة الولادات في تركيا ضمن اتجاه عالمي واسع يشمل دولا أوروبية وآسيوية مثل كوريا الجنوبية واليابان، حيث تواجه الحكومات تحديات متزايدة في الحفاظ على التوازن الديمغرافي وتمويل أنظمة التقاعد والرعاية الصحية في ظل انخفاض عدد المواليد وارتفاع نسبة كبار السن.

لكن ما يميز الحالة التركية أن أردوغان اختار التعامل مع الأزمة مبكرا وبخطاب مباشر، واضعا الأسرة في قلب المشروع الوطني. فبدلا من انتظار تفاقم المشكلة، تتحرك أنقرة عبر تمديد الإجازات، وتقديم المنح، ودعم الزواج، وتشجيع الأسر على إنجاب مزيد من الأطفال.

وبذلك، يحاول أردوغان تحويل تحدي تراجع الخصوبة إلى معركة وطنية لحماية مستقبل تركيا، معتبرا أن الاستثمار في الأسرة ليس مجرد سياسة اجتماعية، بل ركيزة من ركائز القوة التركية في العقود المقبلة.

من المهم التنويه أن موقع رِواق يحترم حقوق النشر ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المنشورات او الصور ومقاطع الفيديو أو غيره مما يصل الينا، وفي حال أنكم وجدتم أن لكم صورة او فيديو او منشورا تمتلكون حقوقا فيه، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة أو rwaqmedia@gmail.com حسب قانون 27 أ(סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים)

بصائر الخير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *