بين عام الرمادة وسراب الاكتفاء الذاتي

بقلم رانية عقل – ناشطة بيئية حول الأمن الغذائي
كانت السنابل ممتلئة حين جاء التحذير من الجوع. لم تكن المجاعة قد بدأت، والأرض كانت ما تزال تمنح الناس محصولها. لكن يوسف عليه السلام قرأ في سنوات الوفرة ما لم يكن ظاهرًا فيها: أن الشبع قد يكون مؤقتًا، وأن المجتمع الذي يستهلك كل ما تنتجه أرضه في عام الخصب يترك أبناءه وحدهم أمام عام القحط.
لم يكن جوابه دعوة إلى الخوف أو التقشف وحده، بل خطة تعيد تنظيم العلاقة بين الأرض والزمن: أن يزرع الناس سبع سنين، وأن يأكلوا بقدر حاجتهم، وأن يتركوا ما حصدوه في سنابله إلا قليلًا.
في عبارة «فذروه في سنبله» معرفة بأن الأمن يبدأ قبل الأزمة، حين نقرر ماذا نفعل بالفائض، وكيف نحميه، ومن يملك حق توزيعه عندما يندر. فالمجاعة لا تبدأ دائمًا حين تتوقف الأرض عن العطاء؛ قد تبدأ حين يُساء توزيع ما أعطته أو يُحتكر المخزون.
وبعد قرون، كشف عام الرمادة وجهًا آخر للمسألة. حين أصاب القحط أرض الحجاز، لم يتعامل عمر بن الخطاب مع الأزمة باعتبارها شأنًا محليًا مغلقًا، ولم يقل إن على أهل الحجاز أن ينجوا بما تنتجه أرضهم وحدها. استنجد بالأمصار، فجاءت قوافل الطعام من الأقاليم الأكثر وفرة نحو المكان المنكوب. حملت الوفرة في إقليم مسؤولية تجاه الجوع في إقليم آخر؛ لم تُخصخص النجاة، ولم يتحول الغذاء إلى امتياز تحتفظ به كل منطقة لأهلها.
بين قمح يوسف وقوافل عام الرمادة يتشكل معنى أوسع للأمن الغذائي: فقد تنجو البلاد بما تحفظه في مخازنها، لكنها تنجو أيضًا بما تبنيه من علاقات، وبقدرتها على مد الطرق بين مناطق الوفرة ومناطق النقص، وبالعدالة التي تحكم توزيع الطعام حين يقل.
من هنا تبدو مفارقة واقعنا أكثر حدة. فنحن نعيش في رقعة تقع في قلب المشرق، على مسافة قصيرة من مصر والأردن وسوريا ولبنان، لكنها تعمل غذائيًا كما لو كانت جزيرة بعيدة عن محيطها. السياسة قطعت ما كانت الجغرافيا تصل بينه، واستُبدل الجوار الطبيعي بسفن تقطع البحار، فيما أصبحت الموانئ والأسواق العالمية والمضائق البعيدة شرايين أساسية لما يصل إلى موائدنا.
قد تبدو رفوف المتاجر ممتلئة، وقد تبدو الخضار والحليب والبيض والدواجن منتجات محلية، لكن جزءًا كبيرًا من الحبوب والزيوت والبقول والأعلاف التي يقوم عليها هذا الإنتاج يبدأ رحلته خارج البلاد. حتى المنتج الذي نراه محليًا قد يعتمد على علف أو بذور أو طاقة أو وسائل نقل قادمة من الخارج. وقد كشفت الحرب في أوكرانيا واضطراب الملاحة في البحر الأحمر مقدار ما يمكن أن تفعله أزمة بعيدة بالمخبز وكيس العلف وثمن البيضة وكوب الحليب. فالتطور الزراعي وتحلية المياه، على أهميتهما، لا يلغيان هشاشة الاعتماد على طرق لا نملك السيطرة عليها.
غير أن الجغرافيا الممتدة بين النهر والبحر لا تعيش هذا الاعتماد بالطريقة نفسها. في الداخل، أسهمت مصادرة الأرض وتضييق مساحات البناء والزراعة وإضعاف المزرعة الصغيرة في تحويل أعداد متزايدة من الفلسطينيين من منتجين لبعض غذائهم إلى مستهلكين يعتمدون على السوق. وفي الضفة، تقرر السيطرة على الأرض والماء والحركة ما يستطيع المزارع أن يزرعه وما إذا كان سيصل إلى أرضه أصلًا. وفي غزة لم يعد السؤال مقدار ما تنتجه الأرض، بل ماذا بقي منها بعد تدمير الحقول والآبار والمخازن، وحين يصبح دخول الطحين والماء خاضعًا للحصار والقرار العسكري. إنها جغرافيا واحدة، لكن الوصول إلى الأرض والغذاء داخلها تحكمه أنظمة شديدة الاختلاف.
ولا يعني انعدام الأمن الغذائي المجاعة وحدها. قد يكون ثلاجة لا تخلو من الطعام، لكنها تمتلئ بما هو أرخص وأقل قيمة غذائية، أو أمًا تعرف ما يحتاج إليه أطفالها ولا تستطيع شراء الخضار والفاكهة بانتظام. ووفق تقرير التأمين الوطني عن الفقر لعام 2024، عاش 28.1% من السكان في انعدام أمن غذائي لأسباب اقتصادية، وبينهم نحو مليون طفل. هكذا يصبح امتلاء السوق حقيقة ناقصة إذا بقي الغذاء الصحي خارج قدرة الناس على الشراء.
أمام هذه الوقائع، يجري الحديث عن خطة وطنية للأمن الغذائي حتى عام 2050، وعن نمو السكان وتراجع المساحات الزراعية وتغير المناخ وهدر الطعام والحاجة إلى تطوير الإنتاج والاستيراد والتكنولوجيا. هذه أسئلة ضرورية، ولا يمكن إنكار أهمية البحث وتحلية المياه وتطوير أصناف تتحمل الحر والجفاف. لكن الخطة التي تحسب كميات القمح ولا تحسب الفجوة في القدرة على شرائه، وترى الأرض موردًا إنتاجيًا ولا ترى من مُنع من الوصول إليها، قد تنجح في إدارة العزلة بكفاءة أعلى من دون أن تعالجها.
ولا يكون البديل اكتفاءً ذاتيًا كاملًا تنتج فيه كل دولة أو بلدة وحدها كل ما تحتاج إليه.
فالحبوب والزيوت والبروتينات الأساسية تتطلب مساحات ومياه وطاقة وبنية تحتية لا توفرها حديقة منزلية. لكن استحالة الاكتفاء الكامل لا تعني الاستسلام للاعتماد الكامل. بين الوهمين مساحة يمكن للمجتمع أن يبني داخلها قدرًا حقيقيًا من المناعة والصمود.
تبدأ هذه المساحة من الحيز الذي نعيش فيه، من دون تجاهل أزمة السكن التي تخنق بلداتنا. فكثير من الحواكير لم تختف لأن أصحابها استهانوا بالزراعة، بل لأن الخرائط الهيكلية الضيقة دفعت العائلات إلى بناء بيوت أبنائها فوق المساحة القليلة المتبقية لها. لذلك لا يجوز أن تتحول الدعوة إلى الزراعة إلى لوم جديد للناس أو أن تنافس حقهم في المسكن.
المقصود ألا تُهدر ساحات المؤسسات وأسقفها وحواشيها والأراضي العامة غير المستعملة، وأن يصبح الشجر جزءًا من التخطيط منذ بدايته، لا زينة تضاف إليه إن بقي مكان.
يمكن لهذه المساحات أن تتحول تدريجيًا إلى بساتين صغيرة وأحزمة من الأشجار المثمرة والمحلية الملائمة للمناخ: بنية حية تمنح الظل، وتخفف وطأة الحر، وتساعد في امتصاص مياه المطر، وتنتج بعض ثمار المواسم. لكن ذلك لن يُبنى بخطاب تطوعي أو بحملات تصوير؛ فهو يحتاج إلى شبكات ري مقتصدة، وإتاحة عادلة للمياه، وميزانية صيانة واضحة، وجهة مسؤولة عن الثمار وتوزيعها. فالشجرة التي تُزرع أمام الكاميرا ثم تُترك للعطش ليست مشروعًا بيئيًا، بل شاهد آخر على سوء الإدارة.
ولا يستطيع المزارع الصغير أن يصمد بالثناء الأخلاقي وحده أمام ارتفاع التكاليف وقوة شبكات التوزيع.
فالأرض لا تبقى مزروعة بالحنين وحده؛ إذا لم تحقق للمزارع دخلًا يستطيع العيش منه، ولصاحب الأرض مردودًا يجعله يفضّل إبقاءها منتجة، ستظل الدعوة إلى الزراعة مطالبة أخلاقية تصطدم كل يوم بمنطق السوق والسكن وكلفة المياه. تستطيع السلطات المحلية فتح أسواق دورية للمنتج المحلي، وشراء بعض احتياجات مؤسساتها من مزارعي البلدة والمنطقة، وتشجيع تعاونيات للشراء والتسويق. كما تستطيع المدارس بناء علاقة ثابتة مع المزارعين، بحيث تصبح الأرض معرفة يعيشها الطفل، لا درسًا يقرأه أو رحلة عابرة إلى مكان آخر.
من المؤلم أن يخرج أطفال بلداتنا إلى كيبوتس مجاور ليروا أزهار اللوز أو يتعرفوا إلى بيارات الحمضيات، فيما بقيت في بلداتهم زوايا عامة بلا شجرة. المشكلة ليست في زيارة الجار، بل في أن يتحول ما كان جزءًا من ذاكرتنا الزراعية إلى مشهد لا نراه إلا خارج حيزنا، وأن يكبر الطفل وهو يعتقد أن البستان ينتمي دائمًا إلى مكان آخر.
لن تعالج هذه المساحات أزمة الحبوب والأعلاف، ولن تتحول إلى بديل عن المخزون والاستيراد والتكامل الإقليمي. لكنها تستطيع حماية ما هو معرض للاندثار: معرفة الأرض، والذاكرة الزراعية، والقدرة المحلية على إنتاج بعض الغذاء والظل. أن تصبح المدرسة مكانًا ينبت فيه شيء يؤكل، وأن تصبح الأرض العامة حيزًا حيًا للمجتمع، لا قطعة تنتظر مشروعًا إسمنتيًا جديدًا.
من قمح يوسف إلى قوافل عمر، لم يكن الأمن الغذائي مشروع عزلة، بل فنًا في وصل ما تحاول الأزمات والسياسات فصله: الحاضر بالمستقبل، والوفرة بالحاجة، والمنطقة بجوارها، والغذاء بالعدالة. وما نحتاج إليه اليوم ليس جزيرة أكثر تحصينًا، ولا وهمًا بأن كل بيت يستطيع النجاة وحده، بل منظومة تعرف كيف تحفظ وتنتج وتتشارك، وكيف ترى الإنسان قبل الحدود.
تبدأ معالجة أزمة الغذاء الكبرى من سياسات الإنتاج والمخزون والتجارة والعلاقات الإقليمية. أما الشجرة في ساحة المدرسة، والمزارع المحلي الذي يجد سوقًا لمنتجه، والطفل الذي يقطف لوز بلده، فلا يحلون مكان تلك السياسات؛ بل يمنعون المجتمع من أن يصبح مستهلكًا منزوع الصلة تمامًا بالأرض التي يعيش عليها.
فالأمن الغذائي حق الناس في غذاء صحي ومستقر، وحق الأرض في ألا تُختزل إلى عقار، وحق المجتمع في أن يعرف كيف يزرع ويحفظ ويتقاسم. وهو، قبل كل شيء، رفض لخصخصة النجاة؛ لأن الجوع الذي يُترك خلف الحدود لا يبقى هناك طويلًا، ولأن الأرض، مهما جزأتها السياسة، تظل تعرف أنها جسد واحد.
من المهم التنويه أن موقع رِواق يحترم حقوق النشر ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المنشورات او الصور ومقاطع الفيديو أو غيره مما يصل الينا، وفي حال أنكم وجدتم أن لكم صورة او فيديو او منشورا تمتلكون حقوقا فيه، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة أو rwaqmedia@gmail.com حسب قانون 27 أ(סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים)



