بعد عام ونصف من الإغلاق شبه الكامل… رفح يعود بحركة بشرية محدودة بلا بضائع ولا مساعدات

بعد أكثر من عام ونصف من الإغلاق شبه التام، فُتح معبر رفح اليوم (الأحد) أمام حركة محدودة للأفراد. وفي القدس والقاهرة وعواصم الوساطة، ينظرون إلى الخطوة باعتبارها نقطة اختبار حاسمة—ليس فقط على المستوى الإنساني، بل أساساً في الساحة السياسية والأمنية—تمهيداً للمرحلة التالية من المبادرة الأميركية التي تدفع بها إدارة دونالد ترامب بشأن قطاع غزة.
وبحسب الترتيبات المتفق عليها، فإن الافتتاح تدريجي ومحدود للغاية. ففي المرحلة الأولى ستُسمح حركة المشاة فقط، من دون مرور بضائع ومن دون إدخال مساعدات عبر رفح. ويتمحور الجزء الأكبر من الخطوة حول الخروج من القطاع: مرضى يحتاجون إلى علاج طبي غير متاح في غزة، ومرافقون من الدرجة الأولى، وحالات إنسانية استثنائية.
ووفق الخطة، سيُسمح لنحو 50 مريضاً يومياً بالمغادرة، على أن يرافق كل واحد منهم حتى فردين من الأسرة—أي ما مجموعه نحو 150 مغادراً يومياً ضمن الإطار الطبي. وبالتوازي، ستُتاح عودة محدودة إلى القطاع لسكان غادروه خلال القتال ويحملون تصاريح مناسبة، وذلك أيضاً رهناً بفحوصات دقيقة ومشددة.
وتقوم آلية التشغيل على عدة طبقات من الرقابة. ففي المعبر نفسه ستعمل منظومة مدنية-دولية، مع تركيز على جهات رقابة أوروبية، بينما تتولى مصر مسؤولية جانبها. ولن تنشر إسرائيل قوات ثابتة داخل منطقة المعبر، لكنها ستحافظ على سيطرة كاملة عبر رقابة عن بُعد، وأنظمة تكنولوجية، والتحكم بالمعلومات. وستبقى الكلمة النهائية بشأن هوية المسموح لهم بالعبور بيد إسرائيل. وسيجري الفحص الأمني مسبقاً استناداً إلى قوائم اسمية ومطابقات استخبارية، وبعد العبور سيُنفَّذ تحقق إضافي في نقاط لاحقة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية.
والقلق الرئيسي في القدس هو استغلال المعبر من قبل عناصر “إرهابية”، حتى على مستويات منخفضة، بغرض الخروج من القطاع أو العودة إليه تحت غطاء إنساني. ولذلك تم التأكيد على أن أي خرق، أو محاولة تزوير، أو غياب للشفافية من الأطراف المعنية قد يؤدي إلى تجميد فوري للخطوة. ومن جهة أخرى، تسعى القاهرة لضمان ألا يتحول الافتتاح—ولو بصورة غير مباشرة—إلى آلية لخروج أحادي الاتجاه من القطاع. ومن هنا ينبع الخلاف حول مسألة الحصص والتوازن بين أعداد الخارجين وأعداد الداخلين؛ وهو خلاف لم يُحسم نهائياً بعد، ومن المتوقع أن يُفحص يومياً تبعاً لسير الأمور على الأرض.
لكن معبر رفح ليس سوى عرضٍ جانبي. فالقضية الجوهرية تتعلق بالمحادثات حول المرحلة التالية—الانتقال من وقف إطلاق نار محدود إلى ترتيبات طويلة الأمد. وهنا تطرح إسرائيل شرطاً واحداً واضحاً: نزع سلاح حماس وتجريد القطاع من السلاح كشرط لأي إعادة إعمار ذات معنى. ليس نموذج “هدوء مقابل المال” بعد الآن، بل آلية تمنع إعادة بناء القدرة العسكرية للتنظيم وتُخرجه من السيطرة المدنية الفعلية.
وعلى الجانب الآخر، تحاول حماس دفع النقاش نحو المسار الإنساني وإعادة التأهيل، وتجنب الحسم في قضية السلاح. ويواصل التنظيم معارضته للتجريد من السلاح، آملاً في الحفاظ على جزء من قدراته تحت مظلة مدنية أو دولية. وهذا الفارق هو جوهر الخلاف، وهو الذي سيحدد ما إذا كان فتح رفح سيصبح الخطوة الأولى نحو تسوية أوسع—أم مجرد حدث تكتيكي قصير الأمد.
وبالتوازي مع تشغيل المعبر، تنتقل المنظومة المدنية-التكنوقراطية التي أُعلن عنها لإدارة القطاع من مرحلة التصريحات إلى مرحلة التنفيذ. فاللجنة الفلسطينية المهنية، التي تعمل بصيغة مؤقتة من خارج القطاع، يُفترض أن تبدأ بتفعيل آليات تنسيق مدني في مجالات مثل الصحة والمياه والسلطات المحلية وإعادة تأهيل البنى التحتية، في محاولة لصناعة استمرارية وظيفية لا تعتمد على حماس. كما تُختبر طبقة المرافقة الدولية—ومن ضمنها المجلس المُعدّ للتنسيق السياسي وإعادة الإعمار—في قدرتها على خلق صلاحيات عمل، وتدفق ميزانيات، ورقابة فعّالة.
وفي إسرائيل، يُنظر إلى الخطوة بحذر. فالنموذج لا يُعد حلاً دائماً، بل صيغة انتقالية تهدف إلى فصل حماس عن الإدارة المدنية اليومية، دون الانجرار إلى حسم فوري بشأن هوية “السيادة” المستقبلية في القطاع. وهنا أيضاً، كما في معبر رفح نفسه، كل شيء مرهون بالتطبيق—بالقدرة على فرض الرقابة، ومنع الانزلاق الأمني، والتأكد من أن الجهات المدنية لا تتحول إلى قناة غير مباشرة لتأثير حماس.
وترى المنظومة السياسية والأمنية في الأيام القليلة المقبلة نقطة اختبار مزدوجة: هل يمكن تشغيل آلية مدنية منسقة إلى جانب فتح منضبط للمعبر؟ وهل يُنتج الجمع بين الاثنين قدراً كافياً من الاستقرار يسمح بالتقدم إلى محادثات حول الخطوات التالية—وعلى رأسها مسألة تجريد القطاع من السلاح ونزع سلاح حماس.
من المهم التنويه أن موقع رِواق يحترم حقوق النشر ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المنشورات او الصور ومقاطع الفيديو أو غيره مما يصل الينا، وفي حال أنكم وجدتم أن لكم صورة او فيديو او منشورا تمتلكون حقوقا فيه، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة أو rwaqmedia@gmail.com حسب قانون 27 أ(סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים)



