آخر الأخبارعربية ودولية

زلزال ملفات إبستين: ترامب داخل الإعصار، وما هي علاقة الأنظمة العربية بإبستين؟

تعد قضية جيفري إبستين واحدة من أكثر القضايا تعقيدا في تاريخ القضاء الأمريكي، حيث كان إبستين رجل أعمال أدين بجرائم جنسية، كما كان يدير شبكة نفوذ غامضة تضم نخب السياسة والمال والعلوم.

بدأت فصول النهاية له بانتحاره المثير للجدل في أغسطس 2019 داخل زنزانته في سجن نيويورك الفيدرالي، وهو الحادث الذي فجر موجة من النظريات؛ نظرا لتعطل كاميرات المراقبة في ذلك الوقت وتورط أسماء عالمية في سجلاته، مما جعل الكثيرين يشككون في كونه “انتحارا” بل “عملية تصفية” لإسكات صندوق الأسرار الأسود.

واليوم، تخرج وزارة العدل الأمريكية بملايين الوثائق لتعيد فتح الجرح الذي لم يندمل في جسد العدالة الأمريكية، حيث أعلنت وزارة العدل عن الإفراج عن الدفعة النهائية والأضخم من الوثائق، تنفيذا لقانون الشفافية الصادر في نوفمبر الماضي، حيث شملت أكثر من 3 ملايين صفحة، و2000 مقطع فيديو، و180 ألف صورة. ورغم أن نائب المدعي العام الأمريكي، تود بلانش، صرح بأن هذا الإفراج يمثل نهاية الإفصاحات المخطط لها، إلا أن المحتوى المسال أظهر جبالا من البيانات التي لا تزال الفرق الصحفية والقانونية تغوص فيها، محاولة فك شفرات العلاقات المتشعبة بين إبستين وأكثر الشخصيات نفوذا.

العاصفة تضرب ترامب وماسك وبيل جيتس

في قلب هذه العاصفة، ظهر اسم الرئيس دونالد ترامب آلاف المرات في الوثائق الجديدة، ليس باعتباره مجرد معرفة قديم، ولكن في سياقات أكثر خطورة. فقد تضمنت الملفات شكوى رسمية من امرأة اسمها جين دوي اتهمته فيها باغتصابها عام 1994 حين كانت في الثالثة عشرة من عمرها، مشيرة إلى أن إبستين كان غاضبا لأن ترامب هو من سلبها عذريتها.

كما كشف مكتب التحقيقات الفيدرالي عن قائمة تضم أكثر من 12 اتهاما بالاعتداء الجنسي مرتبطة بترامب، وهو ما وصفه الأخير بأنه خدعة سياسية من تدبير الديمقراطيين لتشويه سمعته.

ولم تقتصر المفاجآت على السياسيين، بل امتدت لقطاع التكنولوجيا والمال، حيث كشفت الرسائل الإلكترونية عن تناقضات حادة في تصريحات الملياردير إيلون ماسك. فبينما ادعى سابقا رفضه لزيارة جزيرة إبستين، أظهرت وثائق من عامي 2012 و2013 مراسلات يسأل فيها إبستين مباشرة: “متى نتوجه إلى جزيرتك؟” و”أي يوم سيشهد الحفلة الأكثر صخبا؟”. وبالمثل، كشفت الأوراق عن استمرار تواصل وزير التجارة هوارد لوتنيك مع إبستين حتى عام 2015، ودعوته لحفل جمع تبرعات لهيلاري كلينتون، رغم ادعائه قطع العلاقة منذ عام 2005.

أما بيل جيتس، فقد وردت حوله تفاصيل وصفت بالـ “مقززة”، تشير إلى إصابته بمرض جنسي نتيجة علاقات مع فتيات روسيات، وطلبه من إبستين تأمين مضادات حيوية لعلاجه هو وزوجته مليندا سرا، مما يعزز فرضية تعرضه للابتزاز من قبل إبستين الذي يُعتقد على نطاق واسع أنه كان يعمل كعميل للموساد الإسرائيلي لجمع “مواد مساومة” ضد قادة العالم.

وعلى الجانب الإنساني، أثار هذا الإفراج غضبا عارما بين الناجيات من اعتداءات إبستين؛ إذ وصفت جيس مايكلز، إحدى الناجيات، العملية بأنها إهانة للعدالة وخيانة للشفافية، وانتقدت الناجيات قيام وزارة العدل بحجب أسماء الرجال المعتدين وتغطية صفحات كاملة باللون الأسود تحت ذريعة “أسرار الدولة”، بينما نُشرت أسماء الضحايا وتفاصيل معاناتهن دون تظليل، مما تسبب في إعادة صدمتهن أمام الرأي العام، مما دفع المتظاهرين للنزول إلى الشوارع في نيويورك، رافعين شعارات تطالب بكشف “الرؤوس الكبيرة” التي لا تزال محمية خلف السواد القانوني.

الملف العربي: خفايا خاشقجي وتوازنات القوى الإقليمية

​تعد الفقرات المتعلقة بالشرق الأوسط من أكثر الأجزاء إثارة للجدل في الوثائق المنشورة، حيث كشفت المراسلات عن تغلغل إبستين في ملفات سياسية عربية بالغة الحساسية، وتحديدا في قضية اغتيال الصحفي جمال خاشقجي، ففي 12 أكتوبر 2018، أرسل إبستين رسالة إلكترونية إلى وزير الإعلام الكويتي السابق أنس الرشيد، يدعي فيها علمه بخفايا ما جرى في القنصلية السعودية بإسطنبول، ملمحا بوضوح إلى أن لديه معلومات تشير إلى أن محمد بن زايد هو من قام بتوريط محمد بن سلمان في هذه الجريمة بهدف إضعاف موقفه دوليا وتشويه صورته، وهو ما يفتح بابا جديدا لفهم التوترات الصامتة التي كانت تحكم العلاقة بين القطبين الخليجيين في تلك الفترة.

​كما ادعى إبستين في مراسلاته أن أحد أعضاء فريق الاغتيال السعودي سجل العملية كاملة على هاتفه المحمول، وأن هذا الهاتف تعرض للاختراق مما أدى لتسرب الفيديو لجهات استخباراتية دولية، وهذه التفاصيل، قد تعزز من فرضية أن إبستين كان يعمل كقناة خلفية لتمرير الرسائل الاستخباراتية أو ممارسة الابتزاز السياسي بناء على معلومات دقيقة حصل عليها بحكم صلاته الأمنية.

كما كشفت الوثائق عن ترتيبات لزيارات ولقاءات لشخصيات عربية أخرى، مما يشير إلى أن “الجزيرة الخاصة” لم تكن مجرد وكر لجرائم جنسية، بل كانت مركزا لجمع المعلومات الاستخباراتية وتوجيه السياسات الإقليمية عبر “فخاخ النفوذ” التي نصبها إبستين لضيوفه من الأمراء والمسؤولين.

وتشير التسريبات الجديدة أيضا إلى أن إبستين كان “العراب” الحقيقي لاتفاقيات التطبيع قبل سنوات طويلة من إعلانها رسميا في 2020، فوفقا للمراسلات، بدأ إبستين منذ عام 2006 (وربما قبل ذلك) في نسج علاقات وثيقة بين سلطان أحمد بن سليم (رئيس مجلس إدارة موانئ دبي العالمية) وبين إيهود باراك (رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق).

وتوضح الوثائق أن إبستين رتب لقاءات سرية في نيويورك ومنزله الخاص هدفت إلى فتح قنوات استثمارية واقتصادية مباشرة بين موانئ دبي وشركات إسرائيلية، معتبرا أن الاقتصاد هو المدخل الأسهل لتطبيع العلاقات السياسية لاحقا.

​وقد كشفت الوثائق أيضا عن بعد أمني استخباراتي خطير؛ حيث يُزعم أن إبستين ساهم في تسهيل نقل تكنولوجيا المراقبة والأنظمة العسكرية الإسرائيلية إلى الإمارات، ويشمل ذلك توجيه استثمارات من نخب إماراتية نحو شركات تكنولوجيا إسرائيلية مرتبطة بالاستخبارات، مثل شركة “كارباين” المتخصصة في أنظمة الطوارئ والاتصالات، والتي أسسها قدامى المحاربين في الاستخبارات الإسرائيلية، فكان هذا التعاون التقني يهدف إلى بناء بنية تحتية أمنية مشتركة تتيح تبادل المعلومات والقدرات الرقابية في المنطقة، وهو ما يفسر تقاطع المصالح الاستخباراتية الذي مهد الطريق لاتفاقات إبراهام.

كشفت الوثائق كذلك عن رحلة سرية قام بها إبستين بطائرته الخاصة إلى الرياض في أواخر عام 2016. وخلال هذه الزيارة، التقى إبستين بمسؤولين رفيعي المستوى، وحصل على هدية فاخرة عبارة عن “خيمة بدوية” كاملة التجهيزات والفرش، وُصفت بأنها هدية تقديرية لخدمات “غامضة” قدمها للملكة في سياق تعزيز العلاقات الدولية. ورغم أن الوثائق لم تثبت تورط المسؤولين السعوديين في أنشطة إبستين غير القانونية، إلا أنها أكدت أن إبستين كان يمتلك “بطاقة دخول” استثنائية للدوائر القيادية في المملكة، تماماً كما كان يفعل في واشنطن وتل أبيب.

يرى المحللون القانونيون أن هذه الملفات، رغم ضخامتها، قد لا تغلق القضية بل تفتح أبوابا لمواجهات دستورية بين الكونغرس ووزارة العدل. فالفجوة بين ما تم نشره وما تم حجبه تزيد من شكوك الشارع الأمريكي في أن النظام القضائي لا يزال يوفر مظلة حماية للنخب.

من المهم التنويه أن موقع رِواق يحترم حقوق النشر ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المنشورات او الصور ومقاطع الفيديو أو غيره مما يصل الينا، وفي حال أنكم وجدتم أن لكم صورة او فيديو او منشورا تمتلكون حقوقا فيه، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة أو rwaqmedia@gmail.com حسب قانون 27 أ(סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים)

بصائر الخير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *